المصلى في البر… حين تتحول الحجارة إلى بوصلة الروح والاتجاه

عنوان – ابها- عبدالله الشهراني:
في قلب الصحراء، حيث يمتد الأفق بلا حدود، لا يغيب عن البدوي أمر العبادة، بل يحتل مكانة تتقدم على كثير من تفاصيل الحياة اليومية. فبين تنقلاته وترحاله، يحرص على أن يصنع لنفسه موضعًا للصلاة، وإن كان من أبسط ما تجود به الأرض: حجارة متناثرة تُرتب بعناية لتشكل “مصلى” صغيرًا، يحمل في طياته فنًا فطريًا وهندسة متوارثة.
هذا المصلى، الذي قد يبدو عابرًا لعين غير متأملة، هو في الحقيقة انعكاس لوعي عميق بالاتجاه والمكان. فترتيب الحجارة لا يأتي اعتباطًا، بل يُبنى وفق معرفة دقيقة بجهة القبلة، مستندًا إلى خبرة البدوي في قراءة الشمس والنجوم واتجاهات الرياح. وهنا، يتحول المصلى من مجرد مكان للعبادة إلى علامة دالة، تشير إلى إحدى الجهات الأصلية، وتمنح العابر أو التائه خيطًا يقوده نحو فهم موقعه في هذا الاتساع.
ولعل أجمل ما في هذه المصليات البرية، أنها تجمع بين البساطة والرمزية؛ فهي بلا جدران ولا سقف، لكنها عامرة بالمعنى. لا تفصل المصلي عن الطبيعة، بل تجعله جزءًا منها، يصلي على أرضها وتحت سمائها، في مشهد يعكس صفاء العلاقة بين الإنسان وخالقه.
كما أن هذه المصليات تمثل جانبًا ثقافيًا مهمًا في حياة البادية، حيث يتوارث الأبناء عن الآباء مهارة تحديد القبلة وبناء المصلى، فتغدو ممارسة يومية تحفظها الذاكرة الجمعية، وتُترجمها الأيدي في كل رحلة جديدة.
وهكذا، لا يكون المصلى في البر مجرد موضع للصلاة، بل شاهدًا على اهتمام البدوي بعبادته، ودليلًا صامتًا قد ينقذ تائهًا، ويهديه إلى الاتجاه… في صحراء قد تُضلل الكثيرين، لكنها لا تُضل من عرف أسرارها.



