كتاب الرأي

عقيدة الملاءمة: كيف تنجو بسلامك الداخلي؟

   ✍️ريم منصور سلطان – كاتبة سعودية :

ليست كل قراراتنا في الحياة نتاج إرادتنا المحضة؛ فنحن نقف دائماً أمام مفارقات بالغة التعقيد، تضعنا في حيرة بين ما يبدو “أفضل” في عيون الآخرين، وما هو “أنسب” لذواتنا. وهنا تكمن المعضلة؛ فـ “الأفضل” غالباً ما يُصاغ وفق معايير خارجية عامة، بينما “الأنسب” اكتشافٌ ينبثق من صمت داخلي لا يدركه سوانا.
منذ نعومة أظفارنا، ننشأ على ثقافة مطاردة “الأفضل”؛ أفضل وظيفة، أفضل منزل، وأفضل الخيارات التي تضمن لنا التفوق بمقاييس المجتمع. لكن الحياة في أبعادها الأعمق لا تُقاس بهذه الحسابات الجامدة؛ فقد يكون “الأفضل” لامعاً ومستوفياً لكل الشروط، ومقنعاً للعقل تماماً، لكنه لا يلمس الروح، ولا يتناغم مع الإيقاع الخفي لواقعنا، بل قد يزجّ بنا في أعباءٍ مادية ونفسية نحن في غنى عنها.
أما “الأنسب” فهو النقيض تماماً؛ قد لا يأتي في صورة مثالية، وقد يكون أقل بريقاً وإبهاراً أو حتى أقل وضوحاً للآخرين، لكنه يحمل في طياته تلك الطمأنينة الصامتة، والشعور العميق بأن هذا الطريق ــ رغم بساطته ــ ينتمي إلينا. وكأننا لا نختاره، بل هو من يختارنا.
إن السعي المحموم خلف “الأفضل” قد يقودنا إلى حياة لا تشبهنا؛ نحقق فيها نجاحاتٍ يُصفق لها الجميع، لكننا لا نشعر حيالها بالامتلاء. فالأفضل ــ كمعيار عام ــ قد يطمس خصوصيتنا، ويجبرنا على السير في دروب صُممت لغيرنا؛ فننجح نعم، لكننا لا نرتاح أبداً.
إن اختيار “الأنسب” هو فعل شجاعة بامتياز، وخروجٌ واعٍ عن المألوف؛ إنه جوهر الإنصات للصوت الكامن في أعماقنا بعيداً عن ضجيج التوقعات. هو أن تقبل بنسخة من الحياة لا تُبهر أحداً، لكنها تمنحك السلام؛ أن تعترف بأن الحياة ليست سباقاً نحو القمة، بل رحلةٌ لبلوغ التوازن، وألا ترهق نفسك بحمل ما يفوق طاقتك.
إن المفاضلة بين الأفضل والأنسب هي في جوهرها اختيار بين نمطين من الوجود: حياةٌ تُعاش لإثبات مكانةٍ ما، وحياةٌ تُعاش لفهم الذات والتصالح مع إنسانيتنا. المشكلة تكمن في أننا كثيراً ما نُسكِت ذلك الصوت الداخلي الذي يعرف احتياجاتنا الحقيقية، خشية أن تبدو خياراتنا “أقل” من توقعات المحيطين.
ختاماً، لا تُقاس جودة الحياة بمدى مثالية خياراتنا، بل بمدى صدقنا في اختيار ما يشبهنا؛ فالطريق الذي يمثلنا ــ وإن افتقر للمثالية ــ يظل الأقدر على منحنا السكينة. فغاية السعي الإنساني ليست بلوغ الكمال، بل العثور على مرفأ آمن يسمح لنا بالتخلي عن أقنعتنا، لنتنفس بملامحنا الحقيقية، ونحيا بما يناسبنا نحن.. لا بما يناسب الآخرين.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى