في داخلنا | حين تتذكر القلوب ما يحاول العقل نسيانه

✍️ صفية ملا – كاتبة سعودية :
في داخلنا أشياء لا تُرى، لكنها تترك أثرها في كل ما نشعر به ونفكر فيه. فالتجارب لا تنتهي بانتهاء لحظتها، بل تظل كامنة في الذاكرة، لتعود إلينا في صورة شعورٍ غامض أو سؤالٍ لا يهدأ؛ فنحن لا نتذكر الأحداث فحسب، بل نتذكر وقعها في نفوسنا.
*لماذا يعود هذا الشعور؟*
ليست الذكريات مجرد صورٍ مخزنة في زوايا العقل، ولا أحداثاً انقضت بمرور الزمن، بل هي جزءٌ حيّ من تكويننا النفسي والوجداني، تعيش فينا وتعود للظهور كلما لامستها لحظة مشابهة أو إحساسٌ مألوف. فما نستحضره ليس ما حدث فحسب، بل الأثر الذي تركه في أرواحنا: رعشة خوف، أو دفء أمان، أو غصة ألم، أو سكينة فرح. ولهذا، قد تمر السنوات وتبهت التفاصيل، لكن الشعور يبقى حيّاً كأنه وُلد الآن. ومن هنا تكمن أهمية فهم الذاكرة العاطفية؛ فهي لا تحفظ الماضي كحدثٍ جامد، بل تحتفظ به كتجربةٍ صاغت شيئاً في أعماقنا.
*لماذا تؤلمنا بعض الذكريات حين تعود؟*
نحن لا نستعيد تفاصيل الأحداث فحسب، بل نستحضر معها مشاعرنا المرتبطة بها؛ إذ لا تكتفي الذكريات بالاستقرار في عقولنا، بل تسكن أعماقنا وتترك أثراً يبقى حياً مهما توهمنا أن الزمن قد طوى صفحاته. فالحقيقة أن الذاكرة لا تمحو شيئاً، بل تعيد ترتيب الأحداث وتخبئها في طبقات خفية. وعلمياً، تُعد الذكريات العاطفية أكثر رسوخاً وأسرع استجابة للمثيرات؛ فالذاكرة ليست مجرد أرشيف صامت، بل كيان حي يتفاعل مع تجاربنا، وما نظنه تجاوزاً للألم قد لا يعدو كونه تعايشاً معه؛ حيث يظل الألم كامناً حتى تستثيره لحظة مشابهة، وما نختبره حينها ليس ضعفاً، بل إدراكاً لحقيقة لم تستوعبها ذواتنا بعد. ولا تقتصر ذاكرتنا على الكلمات، بل تتجاوزها إلى المشاعر التي تفوق دقة التفاصيل؛ فبينما يتولى الحُصين (Hippocampus) في الدماغ تسجيل الذكريات الجديدة، تقوم اللوزة الدماغية (Amygdala) بمعالجة وتثبيت المشاعر المصاحبة لها. ولهذا قد ننسى المواقف والوجوه، لكن الإحساس الذي خلّفته يظل راسخاً، وقد يستدعيه عطر، أو صوت، أو مشهد عابر، ليعيد إلينا مشاعر ظنناها في طي النسيان.
*الحقيقة العلمية:*
الذاكرة ليست مجرد مستودع للمعلومات، بل هي شبكة حيوية في الدماغ تتشكل وتتغير باستمرار. ولا تعمل ذاكرتنا بالكلمات وحدها، بل بالمشاعر التي تتجاوز دقة التفاصيل. فمن منظور علمي، تتوزع الذكريات عبر مناطق مختلفة من الدماغ؛ حيث يتولى الحُصين (Hippocampus) تسجيل الذكريات الجديدة، بينما تقوم اللوزة الدماغية (Amygdala) بمعالجتها وربطها بالمشاعر المصاحبة لها. والذكريات لا تتلاشى تماماً، بل تُخَمَّل وتُحفَظ في أعماق الدماغ، فنظن أننا نسيناها، لكنها قد تطفو فجأة كما قلنا سابقا بفعل محفزات معينة وهو ما يُعرف بـ “الاستدعاء اللاواعي”.
ويفسر علم النفس هذه الظاهرة في أربع نقاط:
أولاً، يحتفظ الدماغ بكل شيء تقريباً، مع تفاوت في سهولة الوصول إلى تلك البيانات حسب عمق الانفعالات المرتبطة بها.
ثانياً، تُخزَّن الذكريات في الذاكرة العاطفية، وتظل قابلة للاستثارة عند وجود محفز مشابه للتجربة الأصلية.
ثالثاً، الذاكرة قابلة لإعادة التشكيل؛ ففي كل مرة نسترجع فيها ذكرى، نحن لا نستعيدها فحسب، بل نعيد صياغتها.
رابعاً، تُعزز المشاعر عملية التذكر؛ إذ تُحفظ الذكريات المرتبطة بانفعالات قوية، كالفرح أو الحزن، بعمق أكبر.
*لماذا يؤلمنا ما ظننا أنه انتهى؟*
في الحقيقة، نحن لا ننسى، بل نتعلم كيف نعيش دون استحضار تلك الذكريات في كل لحظة. فالذكريات تتوارى رحمةً بنا، لكنها لا تموت؛ فهي تباغتنا في لحظات الهدوء أو حين نصادف شيئاً مألوفاً، وكأنها تهمس بأنها كانت بانتظارنا. لأن هذه الذكريات ليست مجرد صور، بل هي مشاعر لم تُغلق فصولها؛ ويصفها العلم بـ “الذاكرة العاطفية غير مكتملة المعالجة”، بينما يراها الإنسان “جزءاً عالقاً في القلب لم يُفهم بعد”.
*فكيف نتعامل معها؟*
لا ينبغي أن نقاومها أو نخشاها، بل علينا قبولها كجزءٍ لا يتجزأ من قصتنا. فالشفاء لا يكمن في النسيان، بل في التصالح مع ما نتذكره، فالفهم هو الطريق الأقصر نحو السكينة. ومن منظور علمي حديث، فإن استرجاع الذكريات ليس مجرد عملية تذكر، بل هو إعادة تشكيل لها في كل مرة نستحضرها فيما يُعرف بـ “إعادة ترسيخ الذاكرة”؛ لذا فنحن لا نحمل الماضي في صورته الأصلية، بل كما صاغه عقلنا من جديد. فلا تقسُ على نفسك إن عاد إليك شعور قديم، فربما لا تهدف هذه العودة إلى إيذائك، بل إلى منحك فهماً أعمق لذاتك ومشاعرك.
*الخاتمة*
تظل الذاكرة واحدةً من أعمق أسرار النفس الإنسانية؛ فهي لا تسترجع ما مضى لتثقل كاهلنا، بل لتكشف لنا حقائق لم ندركها من قبل. إن ما يتردد في وجداننا من مشاعر قديمة ليس بالضرورة جرحاً متجدداً، بل قد يكون نافذةً لفهم أعمق لذواتنا ونضجٍ أوضح لوعينا بما عشناه.
إن الشفاء الحقيقي لا يكمن في النسيان، بل في النظر إلى ذكرياتنا بعين الرحمة والفهم بدلاً من الهروب. فبعض الذكريات تعود لا لتؤلمنا، بل لتؤكد لنا أننا صرنا أقوى من أثرها، وأكثر قدرةً على استيعاب ما تركته فينا من دروس؛ وهكذا نحمل الماضي لا كعبء يرهقنا، بل كفصلٍ جوهري في قصة نضجنا الإنساني.
*(ففي أعماقنا أشياء لا تُرى، لكنها تُغيّر فينا كل شيء).*
للتواصل : [email protected]



