الهجرة النبوية… قراءة ميدانية تضبط المسار

حوار _ هشام نتو _ مكة المكرمة :
ليست الهجرة النبوية مجرد حدثٍ تاريخي يُستعاد، بل مسار دقيق تشكّل عند تقاطع النص والجغرافيا والأمن والزمن. ورغم كثرة ما كُتب حولها، ظل مسارها الميداني محل اختلاف واسع، بسبب تباين الاجتهادات، ووقوع أخطاء في تحديد المواقع، وقراءة النصوص بمعزل عن معايشة المكان.
في هذا الحوار، نستعرض تجربة علمية ميدانية أعادت قراءة مسار الهجرة النبوية قراءة منضبطة، بدأت منذ عام 2019م، واستغرقت (عامين ونصف) من العمل المتواصل، وتجاوزت (3000 ساعة بحثية وميدانية)، ونُفذت عبر أكثر من (100 رحلة ميدانية)، وانتهت برحلة محاكاة كاملة لمسار الهجرة حتى المدينة المنورة.
تعريف بالضيف
الشيخ عبد الحافظ القريقري
باحث وبلداني متخصص في “العلوم الاجتماعية”، مع اهتمام خاص ببلاد “تهامة الحرمين”. ألّف كتابي «قديد وطريق الهجرة النبوية» و«تهامة الحرمين»، وتناول فيهما الجغرافيا التاريخية وربط النصوص بالميدان. يشغل منصب نائب رئيس اللجنة الثقافية بمحافظة خليص ويرأس “الفريق البحثي العلمي لدراسة مسار الهجرة النبوية”، المعني بالترتيب الزماني والمكاني لأحداث ومعالم المسار، كما يعمل مرشدًا بلدانيًا مهتمًا بالسيرة النبوية ومعالمها وبالتاريخ المعاصر.

– كيف أتتكم فكرة إعادة دراسة مسار الهجرة النبوية؟
● جاءت الفكرة نتيجة كثرة الاختلافات في الدراسات السابقة، ووجود أخطاء في تحديد عدد من مواقع المسار، إضافة إلى اجتهادات غير منطقية وغير علمية، ما دفعنا منذ عام 2019م إلى إعادة دراسة المسار دراسة علمية منضبطة.
– كيف نمت لديكم فكرة وضع إحداثيات تفصيلية للمواقع المكانية والزمانية؟
● الهدف كان ضبط مسار الهجرة بدقة عالية بعد دراسة النصوص والآثار، بحيث لا يكون مسارًا تقديريًا، بل مسارًا يمكن تتبعه ميدانيًا بإحداثيات واضحة.
– كيف تكوّن فريق البحث العلمي؟
● بدأ الفريق بي وبالشيخ سمير أحمد برقة، ثم انضم إلينا المهندس عمرو محمد درويش، الحاصل على ماجستير في العمارة وتخطيط المدن، ثم الأستاذ حسن عبد الشكور المتخصص في نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، وبعد ذلك شارك عدد من الرحالة والمغامرين للمساعدة في المعايشة الميدانية أثناء الرحلات.

– فكرة إخراج وتنسيق الكتاب جاءت مختلفة، هل تحدثنا عنها؟
● تم صفّ وطباعة الكتاب في دولة لبنان الشقيقة لما لها من خبرة في طباعة المصنفات العلمية، وخضع الإخراج الفني لنقاش طويل حتى خرج بالشكل الأنسب، وقد تكفّل بطباعة النسخة الأولى الأديب ورجل الأعمال أحمد باديب.
– هل مسمى جبل ثور اسم قديم أم حديث؟
● اسم جبل ثور قديم يعود إلى الجاهلية، ويُعرف أيضًا باسم الأطحل، ويرجّح أن التسمية جاءت من شكل الجبل المشابه لسنام الثور، خاصة من الجهة الغربية.
– ذكرتم مسميات مكانية عديدة، هل هي معروفة سابقًا؟
● جميعها وردت في دراسات سابقة، وما قمنا به هو تحديد مواقعها الدقيقة بالإحداثيات، بعد تطبيق النصوص وتحري الدقة، مع التأكيد على أن المسار كان قريبًا من الساحل لا على الساحل نفسه.

– ما الضابط في قبول أقوال أهل القرى الواقعة على مسار الهجرة؟
● اعتمدنا أقوال كبار السن ممن تجاوزت أعمارهم السبعين عامًا، وورثوا المعرفة عن أسلافهم، ثم طابقنا أقوالهم مع النصوص الثابتة فوجدنا توافقًا واضحًا.
– ماذا تقصدون بعبارة “استنطاق النصوص”؟
● المقصود البحث عن النص الثابت وفهمه فهمًا صحيحًا، ثم إسقاطه على الواقع الجغرافي بما يتوافق مع طبيعة المكان.
– أشرتم إلى أن النصوص فُهمت بمفهوم عصرها لا عصرنا، كيف ذلك؟
● العرب قديمًا كانت لهم مسميات مختلفة لأوقات اليوم، وهذا يؤثر على فهم توقيت الأحداث، مثل وصف المسير ليلًا ثم استئنافه صبيحة اليوم التالي بعد الفجر.
– شارك معكم رحالة وممارسو الهايكنج، ماذا أضافوا للدراسة؟
● أسهموا في السير لمسافات طويلة، وركوب الإبل، والتخييم، والتعامل مع الطبيعة، بينما تولّى الفريق العلمي ربط النصوص بالواقع وضبط المسار.

– هل يتطابق مسار الهجرة مع درب القوافل والأنبياء؟
● لم يحدث تطابق كامل، وإنما التقاء عارض لمسافة لا تتجاوز ثلاثة كيلومترات في اليوم الخامس، ولا يمكن تعميمه على كامل المسار.
– هل توصلتم إلى استدراكات لم تُذكر سابقًا؟
● نعم، من أبرزها إعادة النظر في فكرة السير الساحلي، وتفصيل لقاء بريدة بن الحصيب وإسلام عدد من قومه، إضافة إلى تحديد وادي الغولاء.

– متى تقبلون رأي الدراسات السابقة ومتى ترفضونه؟
● إذا خالف الرأي النص الثابت، فلا يُقبل.
– لماذا ركزتم على الجانب الأمني في ضبط المسار؟
● لأن التخفي كان عنصرًا رئيسيًا في رحلة الهجرة، خشية الوقوع في أيدي الأعداء.
– لماذا اختير جبل ثور دون غيره من الجبال؟
● لأنه الجبل الوحيد الواقع على اتجاه المسار المؤدي إلى المدينة المنورة.
– ذكرتم تنفيذ أكثر من 100 رحلة ميدانية، هل تكررت بعض المواقع؟
● نعم، تكررت زيارة عدد من المواقع للتأكد من المسار والمعالم وأوقات المرور والمبيت، ضمن عمل بحثي استغرق عامين ونصف، وتجاوز 3000 ساعة بحثية وميدانية.
– كيف جرت رحلة المحاكاة لمسار الهجرة؟
● بدأت من سفح جبل ثور من الجهة الغربية، وسارت وفق ما ضُبط في الدراسة، حتى الوصول إلى المدينة المنورة قبيل أذان الظهر يوم الإثنين من الأسبوع الثاني.
– هل كانت رحلة المحاكاة مخططًا لها مسبقًا؟
● لم تكن ضمن الخطة الأساسية، لكنها اعتمدت كمرحلة أخيرة للتحقق من الزمن ومعايشة المسار على الطبيعة.

– هل تلقيتم دعمًا رسميًا للدراسة؟
● لم نحصل على دعم مباشر، وكانت التكاليف ذاتية، مع بعض المساندات المحدودة من الأصدقاء.
– كيف تقيمون العمل الجماعي في البحث العلمي؟
● تنوع التخصصات وتقاطعها يسهم في إنتاج عمل علمي أدق، وفرق البحث الصغيرة متعددة التخصصات أكثر فاعلية.
– هل واجهتم فترات فتور أثناء العمل؟
● نادرًا، وتكامل الفريق ساعد في تجاوزها، بل زاد من الرغبة في الإكمال والإنجاز.

يقدّم هذا الحوار قراءة علمية ميدانية لمسار الهجرة النبوية، قائمة على النص والمعايشة والتحقق الجغرافي، ويعكس جهدًا بحثيًا امتد لعامين ونصف وتجاوز ثلاثة آلاف ساعة عمل.
وتستكمل الصحيفة هذا الملف بحوار قادم مع أحد فرسان الدراسة، المهندس عمرو محمد درويش، للحديث عن الجانب التخطيطي والتقني، ودور العمارة ونظم المعلومات الجغرافية في ضبط مسار الهجرة النبوية.




مقال رائع من الكاتب المبدع هشام نتو, جزاك الله خير على هذا الحوار الثري. جهد بحثي استثنائي للشيخ عبد الحافظ القريقري وفريقه, حين حولوا الهجرة النبوية من نص مكتوب إلى مسار حي موثق بالإحداثيات والميدان عبر أكثر من ٣٠٠٠ ساعة عمل. هذا النوع من البحث العلمي يعزز معرفتنا ويعظم إرثنا الإسلامي الغني.