تحليل لقصيدة “تعويذة” للشاعرة عنبر المطيري

عنوان _ عبدالله اليوبي _ جدة :
قصيدة الشاعرة عنبر
تعويذة
لاغفوةٌ إلا على سرواتي
فاهدأ وسطر سيرة الإعراب
وتقشفت في أضلعي كلماتها
حتى اختنقت بطيفك المرتاب
قاومت ضد مسافة ومسافة
أحصي تعاويذي بنصف غيابي
أتلوك ياجرحي اللذيذ وعبرة
رجفت لتولد عبرة بكتابي
وتظل في قلبي وصية ظبية
تعبت تصلي أمها لأيابي
وأبي يدثرني بظل حنانه
وأنا وزوبعتي يحار جوابي
الحزن عاق ما انتهت أحزانها
إو قصرت أيامها بنصابي
وأرى نبيذ الليل أشهى نجمة
فارحل وخلِّ الطهر للأهدابِ
–
مقدمة:
يحمل عنوان القصيدة “تعويذة” إشارة واضحة إلى طبيعة النصّ بوصفه فعلًا لغويًا يهدف إلى الحماية أو الاستدعاء؛ حماية من ألمٍ ما، أو استدعاء حضورٍ غائب، أو محاولة لاسترجاع سلامٍ داخلي. التعويذة في الوعي العربي ليست مجرد كلمات، بل هي طاقة روحية تنبثق من عمق التجربة الإنسانية، وهذا ما تُحسن الشاعرة عنبر المطيري التقاطه من اللحظة الأولى لمطلع قصيدتها.
قراءة في المطلع
“غفوةٌ إلّا على سُرَواتي / فاهدأ وسطّر سيرةَ الإعرابي”
في هذا المطلع تمارس الشاعرة نوعًا من السحر اللغوي الذي يزاوج بين الرهافة والتجريد.
تبدأ بالغفوة، تلك اللحظة المترددة بين الوعي والاستسلام، لحظة الضعف والراحة في آن واحد. لكنها تعلن أنها لا تستسلم إلا وهي على قمم جوهرها، على أعلى ما في ذاتها من صفاء ونقاء.
ثم تتوجّه إلى مخاطَب — شخصًا كان أم ذاتها الشعرية — بقولها: “اهدأ وسطر سيرة الإعرابي”. هنا يظهر مستوى أكثر عمقًا: الشاعرة تطلب كتابة سيرتها بلهجة أخرى، بذاكرة أخرى، بلغة الإعرابي.
من هو الإعرابي في الوعي الشعري؟
الإعرابي في المخيال العربي ليس مجرد بدويّ يعيش في الصحراء؛ إنه رمز لـ:
•الصدق الخام
•الفطرة الأولى
•النقاء البدوي الخالي من التصنع
•اللغة التي لم تمسّها الزخرفة
لكن من وجهة نظري، أن طلب الشاعرة ليس مجرد استعارة جمالية، بل هو دعوة لكتابة سيرتها وحكايتها ومعاناتها بلغة صافية:
لغة لا مبالغة فيها، ولا تكلف، ولا محاولة للتجمّل أمام أحد.
فالبساطة ليست عند عنبر المطيري خيارًا بل طبيعة، والنقاء ليس سلوكًا تتبناه بل جينٌ أصيل يسري في روحها. ولهذا يطمئن القارئ إليها؛ لأنها تكتب كما يشعر، لا كما يتزيّن.
إنها تستحضر حياة البدو في ذاكرتنا الجمعية: الخيمة، الإبل، صفاء الصحراء الطاهر، تلك المساحة التي يعود فيها الإنسان إلى ما قبل الرماد اللغوي وما قبل الأقنعة.
وما أجمله من شعور! فكلنا — كما تقول — نحمل هاجس العودة إلى الصحراء، إلى طفولتنا الأولى، إلى البساطة التي عشناها يومًا قبل أن تُرهقنا الحضارة.
هدف القصيدة ورؤيتها
من مطلعها يتضح أن القصيدة تريد أن تكون:
•تعويذة للحماية من الترهّل الشعوري
•عودة إلى الفطرة الأولى للحب والكلمات
•استحضار الصدق البدوي في كتابة الوجدان
•إعلانًا أن الشاعرة لا تنام إلا على أسمى ما في روحها
وكأنها تقول:
“ها أنا في لحظة صفاء… اكتبني كما أنا، بلا زينة، بلغة الإعرابي، لغة القلب.”
عنبر المطيري: الشاعرة التي تكشف لا التي تنشئ
الأستاذة عنبر المطيري ليست شاعرة بالمعنى التقليدي، وليست حالة عابرة في فضاء الشعر. إنها ذائقة لغوية تمارس الكتابة كما يمارس العارف تأمّله.
تستدعي الكلمة لا لتزيين المعنى، بل لتعرية الجوهر.
في مطلع واحد فقط تبرهن على قدرتها النادرة في تحويل:
•اللفظ إلى حالة
•الصورة إلى وعي
•الإيقاع إلى أفق تُفتح فيه الروح على ذاتها
إنها تُصغي للغة وهي تتنفس، وتعرف أن الشعر ليس إنشاءً بل كشف؛
كشفٌ للطبقة الأولى تحت جلد الحياة.
تكتب كما لو أن الكلمات تُستعاد معها إلى أصلها البدائي، إلى تلك اللحظة الأولى التي لم تكن اللغة فيها زينة. وهنا تتجلّى عظمة عنبر الشعرية:
إنها استثناء في عالم الشعر،
وصوت النفس وهي تكتشف العالم لأول مرة.
دلالة كلمة “سُرَواتي”
حين تقول الشاعرة “سُرَواتي” فهي لا تمنح القارئ لفظًا، بل تفتح له بابًا إلى قممها الداخلية.
إن الارتفاع في شعرها ليس في الوزن والصورة فحسب، بل في النية الشعرية التي ترفع العبارة من مستوى الكلام إلى مستوى النشيد الداخلي.
خاتمة
في حضور الاستاذة عنبر الشعري تتحول القصيدة من نص يُقرأ إلى مساحة يتأمل القارئ فيها ذاته.
وتغدو اللغة مرآة مصقولة تعكس ما بعد المعنى:
تعكس لحظة الوعي حين يلتقي بجماله.
إنها شاعرة لا تكتب القصيدة…
إنها تستدعي الروح وتتركها تتكلم.
ومن يفعل ذلك لا يمكن أن يكون مجرّد شاعر،
بل حسٌّ فلسفي يمشي على هيئة امرأة تتقن الإصغاء جيداً قبل أن تقول الكلمة



