هل الحقيقة ثابتة
✍️ مها الشاعر _ كاتبة سعودية :
في عالم متسارع يضج بكل أنواع المعرفة والعلوم، وتعدد مصادرها اللامنتهية ، نحن أحوج ما نكون إلى “الابستمولوجيا”، أو ما تعرف بنظرية المعرفة الحديثة.
والتي كان من أهم الأسماء التي برزت فيها هو العالم جون لوك، وهو أول من بدأ البحث في نظرية المعرفة الحديثة، و فصّل في حيثيات هذه النظرية في كتابه “مقال في الفهم البشري” ، وسبقه وتبعه أيضاً عدد من العلماء الباحثين في هذا المجال.
الفرق بين النظرية المعرفية الكلاسيكية والحديثة “الابستمولوجيا” ، هو أن الكلاسيكية قائمة على الفرضيات والتأمل والتفكير، والتي برع فيها الإغريق في الألفيات الماضية، واستمرت إلى قبل الأربع مئة أو الثلاث مئة سنة السابقة، وهي ترفض رفضاً قاطعاً مبدأ البحث والتجريب، وتؤمن بأن جميع هذه المعارف الافتراضية مسلمات لا يمكن نقضها.
حتى ظهرت نظرية المعرفة الحديثة “الابستمولوجيا”، و القائمة بشكل أساسي على التجريب والاستنباط والاستقراء والأبعاد. لتعارض هذا التوجه تماماً ، وتحمل عدة مبادئ تختلف تماماً عن سابقتها .. ولعل من أهمها؛ أن المعرفة العلمية حالة إدراكية مؤقتة، وأن اليقين العلمي ليس أكثر من “إفتراض بأنه حقيقة” لغاية دراسة ظاهرة علمية، وهذا الإفتراض قابل للنقض متى ما اتضح أو اكتشفت معرفة جديدة، يمكنها أن تغير من حقيقة هذا اليقين، وكذلك من المبادئ التي تتبعها الابستمولوجيا بأنه ليس هناك قدسية للمعرفة العلمية، و أنه لا يوجد شيء مطلق في العلم، وكلما ازددنا معرفة لهذا العالم من حولنا، كلما ازداد غموضاً بالنسبة لنا وليس العكس، لأن الأصل في الوجود هو الغموض.
فلقد اتفق جميع اتباع هذه النظرية أو النظريات السابقة، بأن طبيعة تركيب الوجود فيزيائياً ونفسياً واجتماعياً هي في أصلها غامضة ، فالغموض هنا ليس في المعرفة، ولكن طبيعة الوجود غامضة في حد ذاتها.
هل كل ما نعرفه صحيح ؟
وكيف يمكننا أن نعرف بأن ما نؤمن به صحيح .. أو غير ذلك .. وماهي آليات وأساليب الوصول إلى المعرفة ؟ ..
هذه هي نوعية التساؤلات التي قامت عليها نظرية المعرفة الحديثة “الابستمولوجيا”.
حيث تهتم الابستمولوجيا بدراسة طبيعة المعرفة التي لدينا وأسسها، والتفكير في الأساليب والآليات التي يمكن للإنسان من خلالها أن يحصل على المعرفة، ويبرهن على حقيقتها وموثوقيتها، كما تعنى بمعرفة العلاقة ما بين هذه المعرفة والظروف الخارجية المحيطة بها.
هل المعرفة ثابتة ولا يمكن أن تتغير؟ أم أن هناك مجال للبحث الاستزادة؟ والتوصل إلى مفاهيم جديدة، وعلوم حديثة، وقوانين مستحدثة مغايرة مصححة لما سبقها، متناسبة مع الزمان والمكان؟..
هذا ما تدعو إليه الابستمولوجيا على خلاف النظرية المعرفية الكلاسيكية.
لا تهتم النظرية المعرفية برأيك أو منظورك الشخصي في مسألة علمية أو مدى إدراكك لها، فالحقيقة هي موجودة سواء أدركتها معرفتك أم لم تدركها، وهنا نتحدث عن الحقيقة الوجودية للأشياء العلمية، حيث تفرق الابستمولوجيا بين الرأي والمعرفة.
ويمكن أن تعرف الابستمولوجيا بأكثر من تعريف ؛
“..”حيث عرفها لالاند la lande بقوله:” هي فلسفة العلوم لكن بمعنى أكثر دقة، فلا تخص فقط دراسة المناهج العلمية التي هي موضوع الميتودولوجيا méthodologie و التي تعد جزء من المنطق، كما أنها ليست تركيبا أو توقعا حدسيا للقوانين العلمية على الطريقة الوضعية أو التطورية، إنها في جوهرها الدراسة النقدية لمبادئ و فرضيات و نتائج مختلف العلوم، الهادفة إلى تحديد أصلها المنطقي لا النفسي و قيمتها و مدى موضوعيتها”.
و بينما يعرف بول موي الابستمولوجيا على النحو التالي ؛ نجد أن المعنى الذي يفهمه من الكلمة هو : “النقد العلمي للمعرفة “و مهمتها دراسة المنهج العام للعلوم و ” العمليات التي يطبقها العقل البشري على العلم “.
أما جون بياجي jean piaget فيرى أن “الابستمولوجيا المعاصرة تنظر إلى المعرفة العلمية نظرة تكاملية، فهي لم تعد تفصل بين الذات العارفة و الموضوع المعروف.
فمهمة الابستمولوجيا التكوينية l’épestimologie génétique البحث في نمو المعارف العلمية من جميع جوانبها التاريخية و النفسية و المنطقية”.. “
وتعرف الابستمولوجيا المعرفة بأنها اعتقاد حقيقي مبرر.
Knowledge = Justified, True, Belief (JTB)
متى ما اجتمعت هذه الشروط الثلاثة في أحد المعارف العلمية، يمكن الإعتراف بها كحقيقة.
وتشير الابستمولوجيا إلى أن هناك أربعة مصادر أساسية للحصول على المعرفة ؛
الإدراك الحسي ؛ وهو ما يمكن أن ندركه من خلال حواسنا.
الذاكرة ؛ المعلومات المخزنة لدينا في الذاكرة، فهذه تعتبر معرفة بغض النظر عن مدى صحتها و موثوقيتها من عكسه.
الشهادة والنقل ؛ أي المصادر الخارجية التي يمكننا الحصول على المعرفة منها، المحيط، الكتب العلمية والمعرفية، البرامج الإخبارية والعلمية مثلاً، وحالياً مواقع التواصل الإجتماعي والعالم الافتراضي.
وأخيراً الحدس أو البديهة ؛ الحدس والذي يتبع الشعور المفاجئ للإنسان باتباع أمر ما من عدمه، وقد يكون شعور ناتج عن تجارب سابقة، تجعل الفرد يتصرف بتلقائية دون تفكير تجاه بعض الأحداث أو الحقائق، ولا يمكن الجزم بصحته من عدمها.
أما البديهية ؛ مثلاً أنت سبق وأن تناولت تفاحة، وتبين لك بأنها ذات مذاق سكري ، فمن البديهي لديك عندما ترى تفاحة على أي مائدة طعام أخرى، يكون لديك تصور بديهي بأنها تحمل ذات المذاق.
ويتبع الابستمولوجيا أربعة مدارس فلسفية أيضاً،
١- العقلانية Rationalism ؛ مبنية على العقل والمنطق، وأبرز الأسماء التابعة لها ديكارت؛ “أنا أفكر إذاً أنا موجود” .
٢- التجريبية Empiricism ؛ تبنى على التجربة والحواس، ومثل ما ذكرنا سابقاً أهم الأسماء التي برزت فيها هو جون لوك، وديفيد هيوم وغيرهم، والذي تتبع فكرة بأن العقل وحده لا يكفي للوصول للمعرفة، بل إن العقل عبارة عن صفحة بيضاء لا يحتوي على أي معرفة، فقط من خلال المنهج التجريبي يمكن أن نصل إلى المعرفة.
٣- البنائية أو الاستدلالية constructivism؛ وهو البناء على معرفة سابقة تبعاً لثقافة أو سياق معين.
٤- الشكوكيةskepticism ؛ وهي قائمة على التشكيك بجميع المعارف والحقائق، والتي يصفها البعض بالعبثية، أي أنها لا تؤدي إلى أي معرفة.
توالت المدارس والنظريات التي تقوم على أحد هذه المدارس، والبعض الآخر الذي يجمع فيما بينها.
مثلاً اتبع ديكارت العقل ، ومن ثم خالفه جون لوك بالتجربة ، بينما جمع كانط بينهما، وبأنه لا يمكن الحصول على المعرفة إلا من خلال التجربة والإدراك العقلي معاً.
ومن ثم أتت المدرسة المنطقية الموضعية، معضلة التبرير الإغريقية، الفوضى المنهجية لبول فرابيند، مشروعية العلم البحثي ونظرية النواة الصلبة والحزام لإمري لاكاتوس، ونظرية العقول الأخرى، وغيرها من المدارس والنظريات التي تتابعت للتوسع في تعريف الابستمولوجيا، وهذا ليس محل لذكرها.
ولكن لعلنا نشير إلى ما هو ذو علاقة بمقالنا،
حيث تعارض إدموند جييتر مع تعريف المعرفة، حين قال بأنه عندما تجتمع الشروط الثلاثة، ليس بالضرورة أن تؤدي إلى المعرفة.
وضرب مثلاً على ذلك بأن في حال أحدهم أخبرك بأن الساعة الآن هي تشير إلى الثالثة تماماً، وكانت الساعة فعلاً تشير إلى الثالثة تماماً ، ولكن ماهي المعضلة التي حدثت هنا ؟ المعضلة بأنه كان هناك عطل تسبب في توقف المؤشر عند الساعة الثالثة دون علم الطرف المتحدث بهذا العطل، إذاً هنا اجتمعت شروط المعرفة الثلاثة ولكن لم تؤدي إلى المعرفة الحقيقية.
أيضاً نظرية تعدد الحقيقة؛ وهنا لا نتحدث عن الحقيقة التي نراها من من إدراكنا الشخصي ، ولكن نتحدث عن الحقيقة الوجودية العلمية.
مثلاً ؛ في فيزياء الكم كان لدى العلماء اعتقاد بأن الضوء عبارة عن موجات ، ومن ثم أتت الدراسات التي تبعت هذه الدراسة والتي تثبت بأن الضوء ليس إلا عبارة عن فوتونات.
تعاقبت الدراسات مابين من يظهر لهم بأنه موجات والبعض الآخر فوتونات، وبعد شد وجذب واختلاف في الآراء والدراسات والنظريات العديدة، توصلوا إلى أن الضوء في حالة عدم مراقبته هو عبارة عن موجات ، بينما في حالة المراقبة هو بالفعل فوتونات، واقتضت المعرفة هنا إلى وجود حقيقتين علمية مختلفة للشيء نفسه.
تنطلق الابستمولوجيا من منطلق علمي بحت، رغم تعدد المدارس والنظريات، إلا أن معظمها تشير إلى أن المعرفة الحديثة تؤمن بوجود أكثر من حقيقة وجودية للشيء، كما مر علينا في حقيقة الضوء فيزيائيا، بينما النظرية المعرفية الارسطية تحصر الحقيقة بين الثنائية المطلقة، الخير والشر، أبيض وأسود، ذهاب وإياب وهكذا.
ولعل هذا من أبرز أسباب تأخر العلوم الإفتراضية سابقاً لآلاف السنين، مقارنة بالعلوم التجريبية حالياً، وإمكانية البحث عن أكثر من حقيقة وجودية للشيء، وهو أحد المبادئ الذي تتبعه النظرية المعرفية الحديثة.
والذي ساعدها بأن تقفز قفزة علمية كبيرة، كان لها بالغ الأثر على التطور العظيم الذي نعيشه اليوم في كافة نواحي الحياة.
*القطيعة الأبستمولوجية*
أتى غاستون باشلار بمفهوم القطيعة المعرفية وذلك للإشارة إلى التحولات المعرفية والقفزات العلمية العظيمة التي حدثت عبر التاريخ.
على سبيل المثال لا الحصر؛ من البطليموسية التي تشير إلى أن الأرض ثابتة، إلى نيكولاس كوبرنيكوس أول من عارض هذه النظرية، وقال بأن الأرض ليست ثابتة بل تدور حول نفسها والشمس .
ومن المذهب الارسطي إلى المعرفة النيوتنية، وغيرها الكثير من أنواع وأشكال القطيعة المعرفية العلمية، والتي حدثت خلال القرون والعقود الماضية.
وفي حين عرّف البعض القطيعة المعرفية بأنها هدم العلم السابق وإعادة البناء من جديد، بأفكار وأسس معرفية جديدة مغايرة لما قبلها، يعرفها البعض الآخر بأنها إعادة صياغة للعلم والمعرفة التي تسبقها، مستنداً على المعرفة السابقة.
وهنا أتوقف لأتساءل ..
يا ترى كم من قطيعة معرفية نحتاج أن نخوضها، على المستوى الشخصي ، الإجتماعي ، العلمي ، المعرفي وكافة المجالات.
كم من المفاهيم ، والمعارف ، والقناعات، وعلاقات ، وأفكار ، وسياسات ، وتوجهات لدينا ، بحاجة إلى قطيعة ابستمولوجية، سواءً بالهدم والبناء من جديد ، أو من خلال إعادة الصياغة والتهذيب .
وهل فعلاً .. من الضرورة أن يقف المرء مع ذاته من وقت لآخر ليدرس مدى حاجته إلى القطيعة المعرفية من عدمها؟!
لعل في حديث باشلار هنا جواب لما نبحث عن جوابه ؛
«نحن نعيش في عالم نائم، علينا أن نوقظه بواسطة الحوار مع الآخرين، وما إيقاظ العالم إلا شجاعة الوجود، بأن نوجد ونعمل ونبحث، نخترع، نبدع، نخلق»
–
ملاحظة ختامية: ليس بالضرورة أن يكون العالم المقصود في الإقتباس هو العالم المادي من حولنا الذي نعيش فيه، قد يكون عالمك الخاص لا أكثر ، وقد يكون في حالات أخرى .. الإثنان معاً.



