كتاب الرأي

لا تفقدوا دفء اللقاءات العائلية… يومٌ في الأسبوع يجمعنا

✍️د. عصام عبدالقادر الرحالي — أكاديمي وكاتب سعودي :

في زحمة الحياة وتسارع الأيام، وانشغالنا بالهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، بدأنا نفتقد دفء اللقاءات العائلية التي كانت تجمع الآباء والأمهات بالأبناء والأحفاد، وتضم الإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وسائر الأقارب والأرحام.

أصبح بعضنا يعرف أخبار أقاربه عبر مجموعات المنصات الاجتماعية المختلفة ، ويكتفي برسالة تهنئة أو اتصال عابر، بينما تمر الشهور دون لقاء حقيقي. فهل أصبحت وسائل التواصل تجمعنا خلف الشاشات، بينما تتباعد قلوبنا في الواقع؟

إن التقنية ليست المشكلة، وإنما المشكلة أن تستحوذ على أوقاتنا، وتسرق منا متعة الجلوس مع أهلنا، وتضعف الروابط التي لا تعوضها الرسائل الإلكترونية.

يوم في الأسبوع… موعد للمحبة وصلة الرحم

لماذا لا تخصص كل أسرة يومًا ثابتًا في الأسبوع للقاء العائلي، يجتمع فيه الأبناء والبنات والأحفاد مع الوالدين والجد والجدة؟ ولماذا لا تتفق العائلات على لقاءات دورية تجمع الأقارب والأرحام، بعيدًا عن التكلف والمصاريف؟

لا نحتاج إلى قاعات فاخرة أو ولائم كبيرة؛ يكفي مجلس بسيط، وقهوة وشاي، وما تيسر من الضيافة، وقلوب تتسع الكل و الجميع.

نجتمع لنتبادل الأخبار، ونسأل عن الغائب، ونطمئن على المريض، ونشارك الأفراح والأحزان، ونستعيد الذكريات، ونتعرف أكثر على أحوال بعضنا.

وإلى جانب اللقاء الأسبوعي، يمكن تخصيص يوم واحد في الشهر لجمعة عائلية كبيرة تضم الأقارب والأرحام، في منزل أحد أفراد العائلة أو حديقة أو مكان مناسب، مع التناوب في الاستضافة أو مشاركة الجميع بما يستطيعون، دون إلزام أو إحراج.

فالمحبة لا تُقاس بقيمة المائدة، ولا بفخامة المكان، وإنما بصدق المشاعر وراحة النفوس. ولا ينبغي أن تصبح تكاليف الضيافة سببًا في انقطاع اللقاءات.

الجد والجدة… ذاكرة العائلة وجسر الأجيال

للجد والجدة مكانة لا يعوضها أحد؛ فهما ذاكرة العائلة، وحكايات الماضي، وجسر يربط الأجيال بعضها ببعض.

كم من جد ينتظر زيارة أحفاده، وكم من جدة تسعد بسماع أصواتهم في منزلها! إن جلوس الأبناء والأحفاد مع كبار السن يزرع المحبة والوفاء، وينقل الخبرات والقيم، ويمنح الصغار شعورًا بالانتماء إلى عائلة لها تاريخ وجذور.

كما أن اللقاءات العائلية مدرسة تربوية يتعلم فيها الأبناء احترام الكبير، وحسن الحديث، والاستماع للآخرين، وصلة الرحم، ومساعدة المحتاج، والاعتذار عند الخطأ.

فالأبناء لا يتعلمون من نصائحنا وحدها، بل من سلوكنا؛ فإذا رأونا نحافظ على صلة الرحم ونحرص على زيارة أقاربنا، نشؤوا على هذه القيم ومارسوها في حياتهم.

افتقدنا كلمة «عيب»… وافتقدنا بعض آداب المجالس

من الكلمات التي نحتاج إلى استعادة حضورها في تربيتنا الاجتماعية كلمة «عيب»، بمعناها الإيجابي الذي يذكّر الإنسان بالأدب والاحترام ومراعاة مشاعر الآخرين.

العيب أن نسخر من قريب، أو نحرج إنسانًا بسبب وضعه المادي، أو نستهين بكبير السن، أو ننشر أسرار العائلة، أو ننشغل بهواتفنا بينما يتحدث الآخرون إلينا.

لكن هذه الكلمة ينبغي أن تكون وسيلة للتوجيه، لا لقمع الأبناء أو منعهم من التعبير عن آرائهم؛ فالهدف أن نعلمهم الفرق بين الحرية والإساءة، وبين المزاح والتجريح، وبين الاختلاف وقلة الاحترام.

إن المجالس العائلية ينبغي أن تكون مكانًا للمودة والتسامح، لا للمقارنات والتفاخر وإثارة الخلافات القديمة.

الهواتف والأبناء… مسؤولية لا يجوز إهمالها

من المهم أن يولي الآباء والأمهات عناية خاصة بالأبناء دون الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، وأن يتابعوا استخدامهم للهواتف والألعاب والمنصات الاجتماعية، وفق أعمارهم واحتياجاتهم.

فلا يصح أن نترك الطفل ساعات طويلة أمام شاشة لا نعرف محتواها، أو نسمح للهاتف بأن يرافقه إلى فراشه ويؤثر في نومه ودراسته وعلاقاته الأسرية.

من الأفضل تشجيع الأبناء على الرياضة والقراءة والزيارات والأنشطة العائلية الاجتماعية والثقافية .

وخلال اللقاءات، لنتفق جميعًا على وضع الهواتف جانبًا إلا عند الضرورة، حتى نعطي من يجلس أمامنا حقه من الاهتمام.

لا نريد أن نمنع أبناءنا من التقنية، بل نريد أن نعلمهم كيف يستخدمونها دون أن تحرمهم من أهلهم وحياتهم الاجتماعية.

كيف نعيد الترابط الاجتماعي؟

إن الحل يبدأ بخطوات بسيطة وعملية:

* تحديد يوم أسبوعي ثابت للقاء الأسرة القريبة.
* تنظيم جمعة عائلية شهرية تجمع الأقارب والأرحام.
* جعل الضيافة بسيطة ومشتركة واختيارية، دون تكاليف ترهق أحدًا.
* إشراك الأطفال والشباب في اللقاءات، وإعطاء الجد والجدة مساحة للحديث والمشاركة.
* السؤال عن الغائبين، وزيارة المرضى، ومساندة الأقارب وقت الحاجة.
* احترام ظروف الجميع، وعدم تحويل اللقاءات إلى التزام مرهق أو مناسبة للعتاب.
* تقليل استخدام الهواتف أثناء الاجتماع، وإحياء الأحاديث والألعاب والذكريات المشتركة.

إن العلاقات العائلية لا تضعف دائمًا بسبب خلاف كبير؛ فقد يضعفها التأجيل المتكرر، والانشغال الدائم، وغياب المبادرة. وقد تعود إلى قوتها بزيارة بسيطة، أو موعد ثابت، أو سؤال صادق.

كلمة أخيرة: لا تؤجلوا اللقاء حتى يصبح ذكرى

إلى كل أب وأم، وكل ابن وابنة، وكل جد وجدة: لا تنتظروا الأعياد والمناسبات الكبرى لتجتمعوا، ولا تجعلوا التكاليف عذرًا للغياب، ولا تسمحوا للتواصل الإلكتروني أن يكون بديلًا دائمًا عن اللقاء الحقيقي.

اجتمعوا بما تيسر، وفي المكان الذي يناسبكم، وبأقل التكاليف. اجعلوا المحبة أكبر من المظاهر، وصلة الرحم أسبق من المجاملات، وراحة النفوس أهم من فخامة الضيافة.

تذكروا أن الأبناء سيكبرون، والأحفاد سيصبحون آباء وأمهات، وأن الأيام لا تنتظر أحدًا. وما نزرعه اليوم من مودة واحترام واجتماع، هو الإرث الاجتماعي الذي نحمله إلى الأجيال القادمة.

يوم في الأسبوع للمحبة، وجمعة في الشهر للعائلة، وقلوب مفتوحة للجميع.

فلنحافظ على دفء اللقاءات العائلية، ولنحيِ صلة الرحم، ولنورّث أبناءنا معنى الترابط الاجتماعي الحقيقي؛ لأن أجمل ما في الحياة ليس كثرة من نتواصل معهم، بل صدق العلاقات التي تجمعنا بمن نحب.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى