كتاب الرأي

الرشيد.. من خدمة المياه إلى متطوع تأتمنه البيئة على أسرارها

✍️أ. د. محمد شايع الشايع – كاتب وإكاديمي بجامعة الملك سعود :

ليست كل قصص العطاء مرتبطة بمناصب قيادية أو إنجازات تتصدر العناوين. فبعضها يبدأ من إنسان يؤدي عمله بإخلاص، ثم تتسع رحلته لتصبح رسالة تتجاوز حدود الوظيفة إلى خدمة المجتمع والبيئة. ومن هذه القصص تجربة الرشيد، الذي انتقل من العمل في قطاع تحلية المياه إلى الاهتمام البيئي والتطوع المجتمعي، حاملا ثادق في قلبه، ومؤمنا بأن خدمة الأرض والإنسان مسؤولية لا تنتهي بانتهاء الوظيفة.

ولعل أجمل ما في الرشيد أن العطاء لديه ليس موقفا عابرا، بل خصلة أصيلة تتجلى في حاتمية كرمه وتلمسه لحاجات الناس وحرصه على تقديم ما يستطيع. فهو من أولئك الذين تدفعهم المروءة إلى السؤال عن أحوال الآخرين واستشعار احتياجاتهم والبحث عن سبل مساندتهم. وهذه خصلة تمنح العمل التطوعي معناه الإنساني، وتجعل أثر الإنسان حاضرا في مواقفه وعلاقاته قبل أن يكون حاضرا في سجلات الإنجاز.

ومن خدمة المياه، بما تمثله من ارتباط مباشر بأحد أهم موارد الحياة في بيئتنا الصحراوية، اتسعت اهتمامات الرشيد لتشمل النباتات الصحراوية والبيئة وتربية المواشي والخيل. ولم يكتف بالخبرات المتوارثة، بل حرص على متابعة المستجدات والمعارف الحديثة في هذه المجالات، في صورة تعكس شغفا بالتعلم وإدراكا لأهمية الجمع بين أصالة التجربة وتطور المعرفة.

لكن ثادق تظل حاضرة في قلب هذه الحكاية. فهي ليست مجرد مكان ينتمي إليه، بل ذاكرة وهوية ووفاء. ومحبته لها لا تقف عند حدود الحنين، بل تمتد إلى الاهتمام ببيئتها وموروثها وأهلها، والإيمان بأن أبناء المكان قادرون على الإسهام في حمايته وتطويره متى توفرت لهم فرص المشاركة والعمل المنظم.

وتأتي عضويته في الجمعية التعاونية لنبات اليسر والنباتات الصحراوية لتجسد هذا التوجه. فالنباتات الصحراوية ليست مجرد غطاء طبيعي، بل مكون أساسي من مكونات التوازن البيئي، ورافد من روافد الموروث المحلي. والمحافظة عليها تحتاج إلى الوعي بخصائصها، وحماية الغطاء النباتي، وتبادل الخبرات، وتعاون الجهات المختصة مع أبناء المجتمع الذين يعرفون الأرض وتفاصيلها.

ولعل أبرز ما يميز الرشيد إيمانه العميق، إلى حد الثمالة، بقدرة المجتمع المحلي على إصلاح الخلل في السلوك البيئي. فهو لا يرى الناس مجرد متلقين للتوجيهات، بل شركاء في الحل، بما يمتلكونه من معرفة بالمكان وخبرة بموارده وقدرة على التأثير في سلوك المحيطين بهم. فالتغيير الحقيقي لا يتحقق بالتعليمات وحدها، بل حين تتحول المعرفة إلى ممارسة يومية، وتصبح المحافظة على البيئة مسؤولية يتشارك فيها الأفراد والأسر والمربون والجهات المعنية.

وليس دعم الرشيد للبيئة مجرد اهتمام شخصي أو شغف بالطبيعة، بل ينبع أيضا من إيمانه بوضوح مسار التنمية الذي رسمته رؤية المملكة 2030 بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وما تتضمنه من توجهات ومبادرات بيئية متكاملة. فهو يدرك أن حماية الغطاء النباتي، وصون التنوع الأحيائي، واستدامة الموارد الطبيعية، وتعزيز المسؤولية المجتمعية، ليست قضايا منفصلة، بل منظومة متكاملة تتطلب مشاركة المؤسسات والأفراد والمجتمعات المحلية. ومن هذا المنطلق، يرى أن المواطن شريك في تحقيق هذه المستهدفات، وأن المبادرات التطوعية والجمعيات التعاونية تمثل جسورا عملية تصل التوجهات الوطنية بواقع المجتمع، وتحول الوعي البيئي إلى سلوك مستدام يحمي المكان ويصون موارده للأجيال القادمة.

ويمتد شغف الرشيد إلى تربية المواشي والخيل، وهما مجالان يتجاوزان حدود الهواية إلى عمق الموروث الثقافي والاجتماعي. فتربية المواشي ترتبط بمعرفة المراعي والرعاية الصحية والتغذية والإنتاج، فيما تحتفظ الخيل بمكانتها الأصيلة في الثقافة العربية. ومتابعة الجديد في هذين المجالين تفتح آفاقا للجمع بين الخبرة المتوارثة والمعرفة الحديثة، بما يحافظ على الموروث ويعزز الممارسات السليمة.

إن حكاية الرشيد تذكرنا بأن نهاية مرحلة وظيفية قد تكون بداية لمرحلة أوسع من العطاء، وأن الخبرة يمكن أن تتحول إلى معرفة نافعة، والشغف إلى رسالة، والانتماء إلى عمل ملموس. ففي اهتمامه بالبيئة والنباتات الصحراوية والمواشي والخيل، وفي إيمانه بدور المجتمع المحلي، تتجلى صورة الإنسان الذي لا يحصر أثره في ذاته، بل يسعى إلى خدمة محيطه.

وتبقى ثادق أكثر من مكان في هذه الحكاية، فهي رمز للوفاء الذي يمنح العطاء معناه. أما البيئة فتحتاج إلى من يتعلم أسرارها ويشارك في حمايتها، ويؤمن بأن إصلاح السلوك يبدأ من الإنسان. وهكذا لا يحتاج الرشيد إلى ألقاب كثيرة كي تكتمل صورته، فتكفي حاتمية عطائه، وتلمسه لحاجات الناس، ووفاؤه لثادق، وإيمانه بأن خدمة المجتمع والبيئة مسؤولية مشتركة. فبعض الرجال تختصرهم مواقفهم، وتشرحهم مبادراتهم، وتبقى سيرتهم الطيبة شاهدا على أن الانتماء الصادق يتحول إلى عمل، وأن العطاء حين يصبح عادة يترك أثرا يتجاوز صاحبه إلى الأجيال القادمة.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى