كتاب الرأي

شفرة الأمان الأولى.. حين تُحاك اللغات بالنغمات

     ✍️ عائشة السبيعي – كاتبة سعودية :

تواجه الأمهات في بدايات رحلتهن تحدي تهدئة أطفالهن

ومساعدتهم على النوم، في رحلة تتداخل فيها مشاعر الأمومة بين التعب والحب الفطري.

وفي غمرة البحث عن أحدث الأساليب وأبسطها، قد لا تدرك الأم أنها تمتلك بالفعل «المفتاح الفطري» في

حنجرتها؛ مفتاحًا لا يحتاج إلى معجم من الكلمات، بل إلى نغمة دافئة يفهمها الرضيع بوجدانه قبل أن يدركها عقله.

كان طفلي الصغير، في شهوره الأولى، بحاجة ماسّة إلى النوم، لكنه لم يكن قادرًا على الاستسلام له.

ظل يبكي بحرقة، بينما كنت أقف أمامه حائرةً ومُجهدة، أحاول أن أفهم ما الذي يؤرقه ويحول بينه وبين السكينة.

جرّبت معه شتى الطرق، وتنقّلت بين محاولات التهدئة،

وفي غمرة الارتباك والتعب، غاب عن ذهني أمر بسيط لم أكن أدرك عمق أثره آنذاك: الغناء له،

بتلك النغمة المألوفة التي اعتادها، حتى بلغت بي الحيرة والإجهاد أقصاهما، وكدت أستسلم لشعور العجز وأنا أتساءل: ما الذي يزعجه هكذا؟

وفي تلك اللحظة التي سبقت استسلامي للتعب، خطرت لي فكرة؛ تذكّرت ترنيمة بسيطة، ونغمة خاصة اعتدت أن أرددها له كلما أردت مساعدته على النوم،

لكنني نسيتها وسط زحام البكاء. وبمجرد أن انساب صوتي بالترنيمة، وبدأت أردد نغمتها

المألوفة، حدث ما لم أكن أتوقعه؛ فلم أُكمل الترنيمة حتى، وإذا بطفلي يهدأ ويغلبه النوم!
توقفت عند تلك اللحظة بدهشة،

وارتسمت على وجهي ابتسامة عفوية؛

ابتسامة أمٍّ اكتشفت وسط حيرتها وإرهاقها أن الحل الذي كانت تبحث عنه ربما كان أقرب إليها مما ظنّت.

لم تكن الترنيمة قد اكتملت، لكن أثرها بدا واضحًا أمام عينيّ؛ وكأن طفلي تعرّف إلى نغمته المألوفة،

فاستسلم للهدوء والنعاس قبل أن أُتمّها.

كانت لحظة قصيرة، لكنها عميقة في أثرها، دفعتني إلى التأمل: كيف يمكن لنغمة لم تكتمل أن تُحدث كل هذا الأثر؟

وكيف لصوت لا يحتاج الرضيع إلى فهم كلماته أن يكون جزءًا من شعوره بالألفة والطمأنينة؟

هل كان السر في الكلمات، أم في النغمة، أم في الألفة التي صنعها التكرار بينه وبين صوت أمه؟

البعد العلمي: كيف يفسّر المتخصصون هذه الظاهرة؟

لم تكن تلك التجربة، في نظري، مجرد لحظة عاطفية عابرة، بل فتحت أمامي بابًا للتأمل في طبيعة التواصل المبكر بين الأم ورضيعها، وفي الدور الذي تؤديه النبرة والإيقاع في بناء الشعور بالألفة والطمأنينة.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الموسيقى التواصلية» (Communicative Musicality)، المرتبط بأعمال الباحث في علم النفس النمائي كولْوين ترافيرثِن (Colwyn Trevarthen)،

الذي تناول أهمية الإيقاع والتوقيت والنبرة في التفاعل المبكر بين الرضيع ومَن يرعاه. فالطفل لا ينتظر حتى يتعلّم الكلمات كي يبدأ بالتواصل؛ إذ

يستجيب منذ مراحل مبكرة لخصائص الصوت البشري، من نبرته وإيقاعه وتغيّر طبقاته،

كما يكتسب ألفةً تدريجية تجاه الأصوات التي تتكرر في محيطه.
ومن هنا، يمكن فهم جانب من أثر ترنيمة الأم؛ فالصوت المألوف، حين يقترن بالهدوء والرعاية والتكرار، قد يساعد الرضيع على الشعور بالأمان وتنظيم انفعالاته، ويهيّئه للاسترخاء والنوم.

ولا يعني ذلك أن لكل طفل نغمة معينة تستجيب لها أجهزته العصبية بالطريقة نفسها،

أو أن صوت الأم وحده كفيل بإنهاء بكائه في كل مرة؛

فالرضّع يختلفون في استجاباتهم، وقد تتداخل عوامل عديدة في حاجتهم إلى البكاء أو قدرتهم على النوم.

لكن الألفة الصوتية والإيقاع الهادئ يظلان من الجوانب الجديرة بالانتباه في فهم التواصل المبكر بين الأم وطفلها.

حين يسبق الإحساسُ اللغة

لقد علّمتني تلك التجربة أن التواصل مع الطفل يبدأ قبل أن ينطق بأولى كلماته، وأن بين الأم ورضيعها لغةً تتشكّل من تفاصيل تبدو بسيطة: نبرة صوت، وإيقاع متكرر، ولمسة حانية، وحضور
يمنحه الشعور بأنه ليس وحده.

وقد لا يفهم الرضيع معنى الكلمات التي يسمعها، لكنه يعيش إيقاعها، ويألف نبرتها، ويرتبط بها من خلال ما يصاحبها من رعاية واحتواء.

وهنا تكمن روعة هذه اللغة؛ فهي لا تحتاج إلى شرح، ولا تنتظر اكتمال الإدراك، بل تنمو في مساحة من الألفة تتشكّل مع الأيام، وتصبح بعض نغماتها جزءًا من الطقوس التي يستأنس بها الطفل في لحظات التعب والنعاس.

لقد كانت تلك التجربة درسًا بليغًا في أن لغة الأمهات الأولى لا تُكتب في الكتب، ولا تحتاج إلى قاموس؛ إنها لغة تُحاك بالنغمات، وتنسج خيوطها الألفة والتكرار والحنان.
لغةٌ قد يجد فيها الرضيع ما يعينه على السكينة،

وتجد الأم في أثرها تذكيرًا بأن بعض مفاتيح الطمأنينة كانت قريبة منها منذ البداية؛ في صوتها، وفي نغمتها،

وفي ذلك الحضور الحاني الذي لا يحتاج دائمًا إلى كلمات.

فأحيانًا، لا تكون أولى لغات الطفل هي تلك التي يسمعها فحسب، بل تلك التي يشعر معها بالأمان.

للتواصل : h6060h500@gmailcom

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى