الوعي كما أراه

✍️منصور عبدالله – كاتب سعودي :
كثيراً ما نسمع عن “الوعي الحقيقي”، وهو بالمناسبة حقيقي فعلاً، ولا يمكن حصره أو تضييق معناه أو احتكاره أو مصادرته؛ فأوجه الحقائق كثيرة جداً، وتتعدد بحسب وعي المتعاطي للحياة، وما سيحصل عليه من نتائج، وكلٌ بحسب ترتيب إنسانيته. فالوعي ليس قالباً واحداً ينطبق على الجميع، ولا طريقاً محدداً ينبغي للناس أن يسلكوه حتى يصلوا إليه، بل تتعدد زوايا النظر إليه بتعدد التجارب الإنسانية واختلاف مستويات الإدراك. فقد ينظر شخصان إلى الموقف نفسه، ويخرج كل منهما بفهم مختلف، لاختلاف تجاربهما وطريقة تفكيرهما وما وصلا إليه من نتائج. وقد يمر الإنسان بتجارب كثيرة دون أن يتغير فهمه للحياة، بينما تكفي تجربة واحدة لتجعله يعيد النظر في أشياء كان يعدّها من المسلّمات.
ومن تأملي في الإنسان، أجد أن فهمه لنفسه يبدأ من إدراك مكوناته، وما لكل منها من دور في حياته. فالروح والنفس والعقل والجسد، لكل منها مكان في تجربتنا الإنسانية، ولكل منها ما يميزه في تكويننا ونظرتنا إلى الحياة. ومن هذا المنطلق، تبلورت لدي رؤية فلسفية خاصة للعلاقة بينها، أختصرها في عبارة تعبّر عن تصوري للإنسان: السمو للروح، والوعي للعقل، والنضج للنفس، والنمو للجسد.
ولا أقصد بهذا الترتيب الفصل بين هذه المكونات، أو التعامل معها على أنها أجزاء مستقلة لا يؤثر بعضها في بعض، وإنما أحاول فهم دور كل منها، وكيف يمكن للإنسان أن يحقق التوازن بينها. فالعقل يؤثر في النفس، والنفس تنعكس على الجسد، وتجارب الجسد تؤثر في طريقة التفكير والشعور، بينما تمنح الروح الإنسان بُعداً يتجاوز انشغاله بالماديات وتفاصيل الحياة اليومية.
وإذا تأملنا طرق الناس في البحث عن الحقيقة، وجدنا أن بعضهم يبدأ من العقل؛ يسأل ويحلل ويبحث عن الأدلة، وبعضهم تحركه مشاعره وتجربته الشخصية، وهناك من يجد في التأمل والبحث الداخلي مدخلاً إلى فهم أعمق للحياة. وقد تجتمع هذه الطرق في الإنسان نفسه، لكن الاختلاف يكمن في نقطة البداية، وفي الطريقة التي يتعامل بها كل شخص مع الأسئلة التي تواجهه.
ولا أرى أن العقل وحده يكفي لفهم كل ما يتعلق بالإنسان والحياة؛ فمهما بلغت قدراتنا على التحليل، تبقى التجربة الإنسانية أوسع من المعلومات التي نمتلكها. وقد يكون الإنسان شديد الذكاء، لكنه لا يحسن التعامل مع مشاعره، أو يفهم الآخرين، أو يتخذ القرارات المناسبة في المواقف التي تتطلب نضجاً وخبرة. فالعقل أداة مهمة، لكنه ليس المقياس الوحيد الذي يمكن أن نحكم به على وعي الإنسان.
وهنا أجد أن معرفة الإنسان بنفسه لا تقل أهمية عن معرفته بما حوله. فقد يعرف كثيراً من المعلومات، ويحسن التحليل واتخاذ القرارات، لكنه يظل عاجزاً عن فهم دوافعه أو التعامل مع انفعالاته. وقد يدرك أخطاءه، لكنه يكررها لأنه لم يبلغ من النضج ما يعينه على تغيير سلوكه. ولهذا لا أساوي بين كثرة المعرفة والوعي؛ فالمعرفة تمنحنا المعلومات، أما الوعي فيظهر في طريقة فهمنا لها، وفي قدرتنا على مراجعة أفكارنا والتعامل مع أنفسنا والآخرين بقدر أكبر من الإدراك.
ومن التأملات التي تشغلني كثيراً، الفرق بين الاتصال والتواصل. وأنا هنا استخدم الاتصال بمعنى الحضور والانتباه لما نعيشه، والتواصل بمعنى التفاعل مع الآخرين وما يدور حولنا. فقد يكون الإنسان حاضراً بجسده، لكنه غارق في ذكريات الماضي أو قلق المستقبل، فلا ينتبه إلى ما يعيشه في اللحظة نفسها. وقد يجلس مع أقرب الناس إليه، لكنه منشغل بأفكاره إلى درجة لا يشعر معها بحقيقة اللقاء. وهذه التفرقة أطرحها بوصفها تأملاً شخصياً في تجربتنا اليومية، لا تعريفاً لغوياً ملزماً.
ولعل هذا يقودنا إلى التفكير في الوقت والزمن. فالوقت نقيسه بالساعات والدقائق، أما الزمن فنعيشه من خلال تجاربنا وشعورنا بها. قد تمر ساعة على إنسان وكأنها دقائق، وقد تمر دقائق على آخر وكأنها ساعات. وما نعيشه الآن ليس منفصلاً تماماً عما مضى، ولا عما نرجوه في المستقبل؛ فالماضي يسكن ذاكرتنا، والمستقبل يشغل تفكيرنا، والحاضر هو المساحة التي نعيش فيها ونتعامل مع ما بين أيدينا.
وربما كان من أسباب اضطراب الإنسان أنه كثيراً ما يعيش في أحداث انتهت، أو ينشغل بأحداث لم تقع بعد، فيفوته شيء من حياته القائمة أمامه. ومع ذلك، لا أرى أن الحضور في اللحظة الراهنة يعني تجاهل الماضي أو إهمال المستقبل؛ فالماضي مصدر للتعلم، والمستقبل مجال للتخطيط والعمل، لكن المشكلة تبدأ عندما يستولي أحدهما على الإنسان إلى درجة تعطل قدرته على عيش حاضره.
أما الروح، فلها في تصوري مكانة خاصة في فهم الإنسان لنفسه. فهي ترتبط لديه بمعنى الحياة والسكينة والسمو الداخلي، وتفتح أمامه أسئلة لا تتعلق بالمادة وحدها، بل بمعنى وجوده وطبيعة تجربته وما يشعر بأنه يتجاوز تفاصيل يومه المعتادة. ومع ذلك، فإن الحديث عن الروح يظل من أكثر الموضوعات التي تتباين فيها الرؤى والتفسيرات، وهو ما يدعوني إلى التأمل فيها دون ادعاء الإحاطة بحقيقتها أو اختزالها في تفسير واحد.
وأجد أن التأمل في أعماق النفس يساعد الإنسان على فهم ما يحركه، وما يمنحه الطمأنينة، وما يثير قلقه أو يدفعه إلى سلوك معين. وكلما أصبح أكثر قدرة على ملاحظة أفكاره ومشاعره، استطاع أن يميز بين ما يريده حقاً وما اعتاد عليه، وبين ما يختاره عن قناعة وما يفعله تحت تأثير الخوف أو ضغط الآخرين. وهذا الفهم لا يتحقق بمجرد التفكير، بل يحتاج إلى الصدق مع النفس، ومراجعة المواقف، والاستعداد للاعتراف بالخطأ وتغيير السلوك.
كما أن فهم الإنسان لما يمتلكه من قدرات ومواهب يعينه على توجيهها في موضعها الصحيح. فليس المقصود أن يعرف قدراته ليعجب بنفسه، وإنما ليحسن استخدامها، ويدرك حدودها، ويعرف المجالات التي يستطيع أن يبدع فيها، والجوانب التي تحتاج منه إلى تعلم وتطوير. فالعقل يحتاج إلى المعرفة والتدريب، والنفس تحتاج إلى التهذيب والنضج، والجسد يحتاج إلى الرعاية والعمل، والروح تحتاج إلى ما يمنحها السمو والسكينة. وكلما أحسن الإنسان التعامل مع هذه الجوانب، أصبح أكثر توازناً وقدرة على فهم نفسه والحياة من حوله.
ومن وجهة نظري، لا يتحقق الوعي بمجرد الوصول إلى إجابات كثيرة، بل يبدأ أيضاً من حسن طرح الأسئلة. أن يسأل الإنسان نفسه عن دوافعه، وعن أسباب أحكامه على الآخرين، وعن مدى صحة الأفكار التي يؤمن بها، وأن يكون مستعداً لإعادة النظر فيها إذا ظهرت له معطيات جديدة. فالتمسك بالرأي ليس دليلاً دائماً على قوته، كما أن تغيير الرأي بعد اكتشاف خطئه ليس ضعفاً؛ بل قد يكون علامة على النضج والقدرة على التعلم.
ولا يعني تقديم الروح في تصوري تعطيل العقل، أو إنكار المشاعر، أو إهمال الجسد، بل يعني أن تكون لهذه الجوانب وجهة تتجاوز الانشغال بالمظاهر والمكاسب الآنية. فالعقل يفكر ويحلل، والنفس تتعلم وتنضج، والجسد يعمل وينمو، والروح تمنح التجربة الإنسانية بُعداً من السمو والبحث عن المعنى. ولا أرى أن التوازن يتحقق بإلغاء جانب لمصلحة آخر، وإنما بفهم العلاقة بينها وتوجيهها بما يجعل الإنسان أكثر اتزاناً في أفكاره ومشاعره وأفعاله.
هذه هي رؤيتي للوعي، وليست ادعاءً بأنني أحطت بحقيقته أو بلغت غايته. فما زال الإنسان يتعلم من أيامه، ويكتشف في نفسه ما لم يكن يعرفه، ويعيد النظر في أحكامه كلما اتسعت خبرته. وربما كانت أهم خطوة في رحلة الحياة أن يتوقف عن افتراض أنه يعرف كل شيء، وأن ينظر إلى نفسه بصدق، وإلى الآخرين بإنصاف، وإلى الحياة بعقل متفتح ونفس أكثر نضجاً.



