زبنة رشيد .. حكاية موقفٍ للملك عبدالعزيز خُلّد في أغنية ” يا حبيبي حكمت “

✍️نجاح الوسمي – كاتبه سعوديه:
قد تمر بعض أبيات الأغاني على مسامعنا فنرددها دون أن نتوقف عند قصتها، بينما تحمل كلماتها حكايات من التاريخ بقيت حاضرة في الذاكرة الشعبية ..
ومن بين تلك الأبيات قول الشاعر منصور المفقاعي:
” ليت من ينهبه يا سعود هاك الغزال
ثم يزبن عليكم مثل زبنة رشيد”
بيتٌ غزلي في ظاهره، لكنه يخفي خلف كلماته قصة رجل عراقي لجأ إلى المملكة، وموقفاً للملك عبدالعزيز آل سعود، أصبح لاحقاً مثالاً يُضرب في حماية المستجير والوفاء لمن طلب الأمان.
وتعود الحكاية إلى رشيد عالي الكيلاني، السياسي العراقي الذي تولى رئاسة وزراء بلاده، وقاد عام 1941 حركة سياسية وعسكرية ضد النفوذ البريطاني في العراق ، وبعد فشلها أصبح مطلوباً لدى البريطانيين، فغادر العراق متنقلاً بين عدد من الدول، حتى انتهى به المطاف إلى المملكة العربية السعودية طالباً الأمان.
وصل الكيلاني إلى الرياض متخفياً ضمن مجموعة، ثم كشف عن شخصيته للملك عبدالعزيز، طالباً منه الحماية ، وعندما عرف الملك قصته، أمّنه وأبقاه في رعايته، رغم الضغوط التي مارسوها البريطانيين على المملكة من أجل إبعاده أو تسليمه.
وكان موقف الملك عبدالعزيز واضحاً في حماية من استجار به؛ فلم يكن من السهل أن يتخلى عن رجل دخل في جواره، حتى مع الضغوط السياسية الكبيرة التي أحاطت بالقضية ، وبقي رشيد عالي الكيلاني في المملكة في أمان، وعمل مستشاراً لدى الملك عبدالعزيز حتى وفاة الملك عام 1953م.
ومن هنا جاءت عبارة ” زبنة رشيد ” التي أصبحت مثلاً شعبياً؛ فكلمة ” زبن ” تعني لجأ واحتمى، وأصبح لجوء رشيد الكيلاني إلى الملك عبدالعزيز من أشهر الأمثلة التي استُحضرت عند الحديث عن حماية الدخيل والمستجير.
ولم تبقَ الحكاية في صفحات التاريخ، بل وجدت طريقها إلى الشعر أيضاً ، فقد استحضرها الشاعر منصور المفقاعي في قصيدته الشهيرة ” يا حبيبي حكمت ” مخاطباً الأمير سعود، ومشبهاً من يلجأ إليه بذلك الرجل الذي وجد الأمان لدى الملك عبدالعزيز.
وتشير رواية نجل الشاعر، اللواء الشاعر فيصل منصور المفقاعي، إلى أن المقصود بـ ” سعود ” في البيت هو الأمير الشاعر سعود بن محمد بن عبدالعزيز بن سعود، فيما يؤكد أن ” رشيد ” هو رشيد عالي الكيلاني، وأن أول من غنى القصيدة هو الفنان الكويتي عبدالله فضالة، قبل أن يؤديها فنانون آخرون لاحقاً.
وهكذا تحولت ” زبنة رشيد ” من واقعة سياسية إلى مثل شعبي، ثم إلى بيتٍ خالد في قصيدة غنائية؛ لتبقى الحكاية شاهدة على قيمة عربية قديمة، عنوانها النخوة، وحماية المستجير، والوفاء بالعهد.
فخلف كلمات ” يا حبيبي حكمت ” لم تكن هناك قصة غرام فقط، بل حكاية رجلٍ استجار، وملكٍ آوى، وموقفٍ بقي اسمه حاضراً في الذاكرة: “زبنة رشيد “.
للتواصل : [email protected]



