اللاعب الحر في السياسة.. حين تتحول المرونة إلى قوة

✍️ العميد.م. ندى عزيز الخمعلي – كاتب سعودي :
في عالم السياسة، كما في ملاعب كرة القدم، لا تتوقف صناعة الانتصار على اللاعبين الذين يتصدرون المشهد، بل قد يكون الدور الأكثر تأثيرًا لمن يمتلك حرية الحركة، وسعة الرؤية، والقدرة على قراءة تحركات الآخرين، والتدخل في اللحظة المناسبة لإغلاق الثغرات ومنع الخصم من فرض إيقاعه.
ومن هنا يمكن استعارة مصطلح «اللاعب الحر» من عالم الرياضة وإسقاطه على العلاقات السياسية والدبلوماسية، لوصف الدولة التي تمتلك استقلالية القرار، وتنوع الشراكات، والقدرة على التواصل مع أطراف مختلفة، دون أن تتخلى عن ثوابتها أو مصالحها الوطنية.
فالسياسة ليست اندفاعًا دائمًا نحو المواجهة، وليست تراجعًا مستمرًا أمام التحديات، وإنما هي فن إدارة المصالح، وتقدير المواقف، واختيار التوقيت المناسب للتحرك. وكما يقرأ اللاعب المحترف الملعب قبل أن يمرر الكرة، تقرأ القيادة السياسية المشهد الإقليمي والدولي قبل اتخاذ قراراتها، واضعةً في حساباتها النتائج المحتملة وتوازنات القوى ومصالح الشعوب.
المملكة العربية السعودية.. لاعب مؤثر في الملعب الدولي
عندما ننظر إلى السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية، نجد أن مكانتها الإقليمية والدولية تمنحها قدرة على التحرك عبر مسارات متعددة، تجمع بين الشراكات الاستراتيجية، والدبلوماسية، والدور الاقتصادي، والعمل على تعزيز الأمن والاستقرار.
وقد تجلّى ذلك في استضافة الرياض محادثات بين الولايات المتحدة وروسيا في فبراير 2025، واستضافة جدة محادثات بين الولايات المتحدة وأوكرانيا في مارس من العام نفسه، في إطار الجهود الرامية إلى دفع الحلول السلمية للأزمات الدولية. 
وهنا تتضح أهمية ما يمكن تسميته مجازًا «اللاعب الحر»؛ فالمملكة لا تستمد تأثيرها من مسار واحد، بل من قدرتها على بناء علاقات متنوعة، والحفاظ على مصالحها الوطنية، وتوظيف مكانتها في خدمة الاستقرار والتنمية.
وتؤكد الرؤية المعلنة لوزارة الخارجية السعودية أن الدبلوماسية تستهدف حماية المصالح الوطنية وتعزيز إسهام المملكة في أمن المنطقة والعالم واستقرارهما وازدهارهما. 
لكن هذه الحرية في الحركة لا تعني الوقوف على مسافة واحدة من الحق والباطل، ولا تعني التنازل عن الثوابت الوطنية؛ بل تعني امتلاك خيارات متعددة، وتقدير المصالح، والقدرة على اتخاذ الموقف المناسب لكل مرحلة.
فالدولة القوية لا تبحث عن الأزمات لتثبت قوتها، ولا تتنازل عن أمنها لتتجنب المواجهة، وإنما تعمل على منع المخاطر، وبناء الشراكات، وتعزيز قدراتها الدفاعية، وفتح أبواب الحلول السياسية متى كانت ممكنة.
متى يكسب اللاعب الحر المباراة السياسية؟
يكسبها عندما ينجح في حماية مصالح وطنه، ويحول علاقاته الدولية إلى فرص للتعاون، ويمنع خصومه من استغلال الثغرات، ويحتفظ بقدرته على اتخاذ القرار دون ارتهان لإرادة الآخرين.
أما اللاعب الذي يتحرك بلا رؤية، فإنه قد يربك حسابات الآخرين مؤقتًا، لكنه يخسر ثقتهم على المدى البعيد. ولهذا فإن المرونة السياسية لا تكتمل إلا بوضوح الأهداف، وثبات المبادئ، وحسن قراءة المتغيرات.
وفي الختام، فإن استعارة «اللاعب الحر» تفتح بابًا مهمًا لفهم جانب من العمل السياسي والدبلوماسي؛ فليس كل تأثير يحتاج إلى ضجيج، وليس كل نجاح يتحقق بالمواجهة المباشرة، فقد تكون الكلمة الحكيمة، والمبادرة المدروسة، والشراكة المتوازنة، أقوى أثرًا من قرارات متسرعة لا تحسب عواقبها.
والمملكة العربية السعودية، بما تمتلكه من ثقل إقليمي ودولي ورؤية استراتيجية، تستطيع أن توظف تعدد علاقاتها وشراكاتها لتعزيز مصالحها الوطنية وخدمة الاستقرار، مع الاحتفاظ بحقها في حماية أمنها وسيادتها. فالقوة الحقيقية ليست في كثرة التحركات، بل في أن تعرف متى تتحرك، ولماذا تتحرك، وما النتيجة التي تريد تحقيقها.
للتواصل : [email protected]



