عروس البحر الأحمر تحتضن تدشين الكتاب الجماعي أقلام تنبض شغفًا وورشة حين يعيد الأدب كتابة الإنسان

عنوان – جدة – أسرار عبدالعزيز السلمي :
في مساءٍ يزهو بالشغف، وتُروى فيه قصص الإنجاز، ويسمو فيه الحرف بأصالة القلم وجمال الإبداع، احتضنت عروس البحر الأحمر، مدينة جدة، مساء السبت 10 أكتوبر 2026م، حفل تدشين الكتاب الجماعي التشاركي أقلام تنبض شغفًا، والورشة التدريبية المصاحبة بعنوان حين يعيد الأدب كتابة الإنسان، بتنظيم نادي الكتابة الإبداعية شغفنا، عبر منصة هاوي، وبالتعاون مع جمعية الثقافة والفنون بجدة، في تظاهرة أدبية وثقافية جسدت روح الشراكة الإبداعية، وأبرزت أهمية دعم المواهب الأدبية وإتاحة الفرص أمام الأقلام الواعدة.
وجاءت الفعالية امتدادًا لجهود النادي في تعزيز الحراك الأدبي والثقافي، واحتضان الطاقات الإبداعية، وفتح آفاق جديدة أمام الكُتّاب والكاتبات، بما يسهم في إثراء المشهد الثقافي السعودي، وترسيخ ثقافة التأليف والنشر، وتحويل الشغف بالكتابة إلى منجزات أدبية ملموسة.
افتتاح الحفل وكلمة رئيس النادي
تولت إدارة الحفل والورشة التدريبية العضو المؤسس بالنادي، الكاتبة والأديبة الأستاذة صباح العمري، التي أدارت فقرات اللقاء، وأسهمت في تنظيم الحوار والتفاعل بين المشاركين والحضور.
واستُهل الحفل بكلمة ترحيبية ألقاها رئيس نادي الكتابة الإبداعية شغفنا، الأديب والكاتب والمترجم الأستاذ خلف القرشي، عبّر خلالها عن شكره وتقديره لإدارة جمعية الثقافة والفنون بجدة ومنسوبيها، مثمنًا تعاونهم في احتضان هذه المناسبة الثقافية، كما أشاد بجهود مديرة الحفل والمشاركين في إنجاح المشروع الأدبي.
وأكد القرشي أن الكتاب الجماعي أقلام تنبض شغفًا يمثل تجربة أدبية تشاركية متميزة، إذ يضم أكثر من 100 كاتب وكاتبة، اجتمعوا في إصدار واحد يجمع مختلف أجناس الكتابة الإبداعية، في تجربة تسعى إلى إبراز التنوع الأدبي، وإتاحة الفرصة أمام المواهب بمختلف مستوياتها.
وأوضح أن فكرة الكتب الجماعية ليست جديدة في عالم التأليف والنشر، إلا أن ما يميز هذا الإصدار شموليته وتنوع محتواه، وعدم اقتصاره على جنس أدبي واحد، مشيرًا إلى أن النادي يعد هذا المشروع تجربة رائدة من حيث جمع هذا العدد من المبدعين في إصدار مشترك يتناول مختلف مجالات الكتابة الإبداعية.
وبيّن أن صفحات الكتاب تضم نصوصًا متنوعة تشمل القصة، ومقاطع من الروايات، والمشاهد المسرحية، والقصة القصيرة جدًا، والشعر، والنقد الأدبي، والمقالات، وأدب الرسائل، وغيرها من الفنون الأدبية، بما يمنح القارئ تجربة ثرية تتنقل بين أساليب التعبير المختلفة.
وأضاف أن الكتاب يجمع بين الكُتّاب المبتدئين وأصحاب التجارب الأدبية المتقدمة، في مساحة إبداعية تتجاوز الفوارق بين مستويات الخبرة، وتمنح الجميع فرصة الحضور والمشاركة، مؤكدًا أن من أجمل لحظات الكاتب أن يرى اسمه ونصه متوجين بين صفحات إصدار أدبي يحمل بصمته الإبداعية.
من التأليف إلى الانتشار وصناعة الأثر
وتطرق القرشي في كلمته إلى أهمية استمرار العناية بالكتاب بعد صدوره، مؤكدًا أن مسؤولية النادي لا تتوقف عند جمع النصوص وإخراجها في إصدار مطبوع، بل تمتد إلى دعم الكتاب والمشاركين فيه من خلال التسويق والترويج والإعلام والإعلان.
وأشار إلى أن الغاية من المشروع لا تقتصر على إصدار كتاب جماعي وإيداع نسخه في المكتبات، وإنما تتجاوز ذلك إلى السعي لإيصاله إلى أكبر شريحة ممكنة من القراء، والتعريف بالمشاركين وإبداعاتهم، وإتاحة الفرصة أمام المجتمع لاكتشاف مواهبهم الأدبية.
وأكد أن هذا التوجه يعكس حرص النادي على تحويل المبادرات الثقافية إلى مشروعات مستدامة، تسهم في صناعة الأثر، وتعزز حضور الكاتب في المشهد الأدبي، وتفتح أمامه آفاقًا أوسع في عالم التأليف والنشر.
عرض مرئي يوثق رحلة الكتاب من الفكرة إلى الإنجاز
وشهد الحفل عرضًا مرئيًا تناول المراحل التي مر بها مشروع أقلام تنبض شغفًا، بدءًا من ولادة الفكرة وتحولها إلى مشروع أدبي تشاركي، مرورًا بمراحل جمع المشاركات ومراجعتها وتحريرها، وصولًا إلى الإخراج النهائي وظهور الكتاب إلى النور.
وسلّط العرض الضوء على الجهود المبذولة في إنجاز هذا العمل الجماعي، وما تطلبه من تنسيق ومتابعة وتعاون بين المشاركين والقائمين على المشروع، ليصبح الإصدار شاهدًا على قيمة العمل المشترك، وقدرة الشغف على جمع المواهب المختلفة تحت مظلة إبداعية واحدة.
التدشين الرسمي للكتاب وبداية رحلة جديدة للمؤلفين
وشكّلت لحظة التدشين الرسمي للكتاب إحدى أبرز محطات الحفل، حيث جرى الاحتفاء بالإصدار من خلال توقيع رئيس النادي والمشرف على المشروع نسخًا مخصصة للمشاركين والمشاركات، في لفتة تقديرية تعكس الاعتزاز بإسهاماتهم الأدبية.
وجاءت هذه الخطوة تأكيدًا على أن الكتاب لا يمثل نهاية تجربة الكتابة الجماعية، بل بداية لمسارات إبداعية جديدة، يُؤمل أن تقود المشاركين إلى إصدار مؤلفات فردية تحمل أسماءهم وتجاربهم الخاصة.
كما عكست لحظة التدشين أهمية الاحتفاء بالمنجز الأدبي، وتقدير الجهود التي يبذلها الكُتّاب في تحويل أفكارهم ومشاعرهم وتجاربهم الإنسانية إلى نصوص قابلة للقراءة والتداول والتأثير.
ورشة حين يعيد الأدب كتابة الإنسان
وعقب مراسم التدشين، انطلقت الورشة التدريبية المصاحبة بعنوان حين يعيد الأدب كتابة الإنسان، التي قدمها الأديب والكاتب والمترجم الأستاذ خلف القرشي، في لقاء معرفي تناول العلاقة العميقة بين الأدب والإنسان، ودور السرد في تشكيل الوعي بالذات وإعادة تفسير التجارب الحياتية.
واستهل القرشي الورشة بسؤال تأملي أثار اهتمام الحضور وفتح آفاق النقاش:
هل نحن ما حدث لنا، أم ما نرويه لأنفسنا عمّا حدث؟
ومن هذا التساؤل انطلق المدرب في استعراض العلاقة بين الأحداث التي يعيشها الإنسان، والتفسيرات التي يمنحها لتلك الأحداث، موضحًا أن حياة الفرد لا تتشكل من الوقائع وحدها، وإنما من المعاني التي يصوغها حول تجاربه ومواقفه وذكرياته.
وبيّن أن كل إنسان يحمل في ذاكرته مجموعة من الأحداث والتجارب، تبدأ من الطفولة والعائلة، وتمر بالنجاحات والإخفاقات، والعلاقات الإنسانية، والفرص التي تحققت، وتلك التي لم يكتب لها الاكتمال.
غير أن الإنسان، بحسب ما تناولته الورشة، لا يعيش تلك الأحداث بمعزل عن تفسيراته الخاصة، بل يعيد تشكيلها في ذاكرته، ويربط بينها وبين مشاعره ومعتقداته وتصوراته عن نفسه والعالم المحيط به.
واستعرض القرشي مثالًا لشخصين يمران بتجربة متشابهة، لكن أحدهما يخرج منها أكثر حذرًا ووعيًا، بينما يخرج الآخر فاقدًا للثقة بالآخرين، موضحًا أن اختلاف تفسير التجربة قد يقود إلى اختلاف كبير في مسار الحياة اللاحقة.
وأشار إلى أن الحدث قد يكون واحدًا، لكن الحكاية التي يصنعها الإنسان حوله هي التي تمنحه معناه، وقد تتحول تلك الحكاية، مع تكرارها واستحضارها، إلى جزء من هوية الإنسان وتعريفه لذاته.
الأدب بين الحدث والمعنى
وتناول المدرب خلال الورشة الدور الذي يؤديه الأدب في الكشف عن الأعماق الإنسانية، موضحًا أن الأعمال الأدبية المؤثرة لا تكتسب قيمتها من كثرة الأحداث وحدها، وإنما من قدرتها على استكشاف المعاني التي تمنحها الشخصيات لتجاربها.
وأكد أن الروايات العظيمة لا تبقى في ذاكرة القراء لمجرد ما تتضمنه من أحداث ومواقف، بل لما تفتحه من مساحات للتأمل في النفس البشرية، وما تكشفه من تحولات داخلية وصراعات وجدانية وأسئلة وجودية.
وبيّن أن الأدب يتيح للإنسان فرصة النظر إلى حياته من زوايا مختلفة، ويساعده على إعادة قراءة تجاربه، وفهم مشاعره، واكتشاف المعاني الكامنة خلف الأحداث التي مر بها.
كما أوضح أن الكاتب لا يكتفي بسرد ما يحدث للشخصيات، بل يسعى إلى الكشف عما تتركه تلك الأحداث في نفوسها، وكيف تؤثر في قراراتها وعلاقاتها ونظرتها إلى الحياة.
علم النفس السردي وفهم الذات من خلال الحكايات
وتطرقت الورشة إلى مفهوم علم النفس السردي، ودوره في تفسير الكيفية التي يبني بها الإنسان فهمه لذاته من خلال القصص التي يرويها عن حياته.
وأوضح القرشي أن الذاكرة الإنسانية لا تعمل كالكاميرا التي تحفظ جميع التفاصيل كما وقعت، بل تقوم على عمليات الانتقاء والتذكر والنسيان والربط بين الأحداث، وإعادة ترتيب التجارب وفق ما يمنحه الإنسان لها من أهمية ومعنى.
وأشار إلى أن الفرد قد يمنح بعض اللحظات أهمية كبيرة في تشكيل هويته، بينما يتجاوز لحظات أخرى دون أن يلتفت إلى أثرها، ثم يجمع هذه التجارب في حكاية متكاملة تعبر عن تصوره لنفسه.
ولفت إلى أن سؤال الإنسان عن هويته لا يقوده غالبًا إلى الاكتفاء بسرد بياناته الشخصية أو مؤهلاته، بل يدفعه إلى استحضار قصص وتجارب ومواقف أسهمت في تشكيل شخصيته، وهو ما يكشف الارتباط الوثيق بين السرد والهوية الإنسانية.
وأكد أن هذه العلاقة تمنح الأدب قدرة على تجاوز حدود المتعة الفنية إلى مساحات أعمق من التأمل والمعرفة وفهم الذات، وتجعل من الكتابة وسيلة لإعادة قراءة التجربة الإنسانية واستيعاب تحولاتها.
تطبيقات عملية ونماذج من الأدب العالمي
وتضمنت الورشة نقاشات تفاعلية وتطبيقات عملية، استعرض خلالها المدرب نماذج قصصية وأدبية لعدد من الأدباء العالميين والكُتّاب البارزين، بهدف تقريب المفاهيم النظرية وربطها بالتجارب الإنسانية والواقع النفسي والاجتماعي.
وأسهمت التطبيقات في تحفيز المشاركين على التأمل في العلاقة بين العالم الداخلي للإنسان والنص الأدبي، وفهم الكيفية التي تتحول بها التجارب الشخصية إلى مادة سردية تحمل أبعادًا فكرية ووجدانية.
كما أتاحت الورشة للحضور فرصة تبادل الآراء وطرح التساؤلات ومناقشة الأفكار المطروحة، بما عزز التفاعل المعرفي، وأسهم في توسيع مدارك المشاركين حول دور الأدب في تفسير التجارب الإنسانية وإعادة صياغة معانيها.
وركزت المناقشات على أهمية القراءة الواعية للنصوص الأدبية، وعدم الاكتفاء بتتبع أحداثها الظاهرة، بل البحث في الدوافع النفسية والتحولات الداخلية للشخصيات، واستكشاف العلاقة بين التجربة الحياتية وبنائها السردي.
تفاعل الحضور وإشادة بالمحتوى التدريبي
وفي ختام الورشة، عبّر الحضور عن شكرهم وتقديرهم للمدرب الأستاذ خلف القرشي، مشيدين بما قدمه من طرح معرفي وأدبي، وما تضمنته الورشة من أمثلة وتطبيقات أسهمت في تقريب المفاهيم وتعزيز الفهم.
كما شهد اللقاء تفاعلًا من المشاركين خلال النقاشات والتقييم الختامي، حيث أكدوا أهمية استمرار مثل هذه البرامج التدريبية والثقافية، لما تحققه من فوائد معرفية ومهارية لأعضاء النادي والمهتمين بالأدب والكتابة الإبداعية من خارجه.
وأبرزت الفعالية أهمية الجمع بين المنجز الأدبي والتأهيل المعرفي، من خلال الاحتفاء بالإصدارات الإبداعية، وإقامة الورش المتخصصة التي تسهم في تطوير أدوات الكاتب، وتعميق وعيه بالعلاقة بين الأدب والإنسان والمجتمع.
ختام يعزز حضور الإبداع ويؤسس لمنجزات جديدة
واختُتمت الفعالية وسط أجواء ثقافية جسدت روح الشغف والاعتزاز بالمنجز الأدبي، وأكدت أهمية التعاون بين الأندية الثقافية والمؤسسات المعنية بالفنون والآداب في دعم المواهب، وتوسيع فرص المشاركة والإنتاج الإبداعي.
ومثّل تدشين الكتاب الجماعي أقلام تنبض شغفًا محطة مهمة في مسيرة نادي الكتابة الإبداعية شغفنا، بما حمله من مشاركة واسعة للكُتّاب والكاتبات، وتنوع في الأجناس الأدبية، ورسالة تؤكد أن الإبداع لا تحدّه البدايات، وأن الشغف حين يجد الرعاية والتوجيه يتحول إلى منجز ثقافي يستحق الاحتفاء.
كما عكست الورشة المصاحبة عمق العلاقة بين الأدب والتجربة الإنسانية، وأبرزت قدرة الكلمة على تجاوز حدود التعبير إلى آفاق الفهم والتأمل وإعادة اكتشاف الذات.
وبهذا المنجز، يواصل نادي الكتابة الإبداعية شغفنا، عبر منصة هاوي، جهوده في ترسيخ ثقافة الكتابة والتأليف، وبناء جسور التواصل بين المبدعين، وإثراء المشهد الثقافي بإصدارات وبرامج نوعية تسهم في اكتشاف المواهب وتنمية قدراتها.
ولعل الرسالة الأبرز التي حملتها هذه الأمسية أن الكتابة ليست مجرد حروف تُسطّر على الورق، بل حياة تُروى، وتجارب تُخلّد، وأحلام تجد طريقها إلى النور؛ فحين تتلاقى الأقلام على مائدة الشغف، يولد الإبداع، وحين يحتضن المجتمع مبدعيه، تتسع آفاق الثقافة، ويبقى أثر الكلمة شاهدًا على إنسانٍ يكتب ليُبدع، ويُبدع ليترك أثرًا لا يغيب.



