كتاب الرأي

كيف نواجه الشر

          ✍️ بدرية المعجل – كاتبة راي :

في مسارات الحياة، نلتقي بقلوب تحمل الخير، وأخرى يصدر عنها الأذى؛ بكلمة جارحة، أو ظلم متعمّد، أو إشاعة تسيء إلى السمعة، أو خيانة تهزّ الثقة. وأمام هذه المواقف، يبرز سؤال يمسّ حياتنا جميعًا: كيف نواجه الشر ونحفظ أنفسنا من أثره؟

تبدأ المواجهة بالوعي؛ أن نرى الموقف كما هو، وأن نميّز بين خطأ عابر يمكن إصلاحه، وأذى متكرر يستوجب الحزم. فلا نحكم على إنسان من موقف واحد، ولا نتجاهل سلوكًا مؤذيًا يتكرر بحجة حسن الظن. فالعدل يقتضي التثبت، وحماية النفس تقتضي الانتباه.

وقد يندفع الإنسان، حين يتألم، إلى رد الإساءة بمثلها، ظنًّا منه أن ذلك يطفئ غضبه ويعيد إليه اعتباره. لكن الغضب قد يدفعه إلى قول أو فعل يندم عليه، ويمنح الأذى مساحة أكبر في حياته. ولهذا نحتاج إلى التريث قبل الرد، واختيار الكلمة التي تحفظ كرامتنا، والموقف الذي يصون حقوقنا دون تجاوز.

وفي ديننا الإسلامي توجيه عظيم إلى مقابلة الإساءة بما هو أحسن، قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وهذا خُلق يحتاج إلى قوة نفس، وحكمة في تقدير المواقف؛ فقد تكون المواجهة بالحوار الهادئ، أو بالإعراض عن استفزاز، أو بالعفو حين يكون سبيلًا للإصلاح. وقد تستدعي وضع حدود واضحة، والابتعاد عن علاقة مؤذية، والاستعانة بمن يملك القدرة على إيقاف الضرر.

فالطيبة تحتاج إلى بصيرة تحميها، والتسامح لا يسلب الإنسان حقه في الأمان. ومن حق من يتعرض للظلم أن يطلب الإنصاف، وأن يلجأ إلى الجهات المختصة عند الحاجة. كما أن نصرة المظلوم مسؤولية؛ فلا نخذله بالصمت، ولا نطالبه بالصبر بينما نترك أسباب الأذى مستمرة.

وفي فضاء التواصل، تتسع مسؤوليتنا؛ إذ قد نشارك في نشر الشر دون أن ننتبه، حين ننقل خبرًا لم نتحقق منه، أو نعيد نشر إساءة، أو ننساق خلف حملة تنتقص من إنسان. ومواجهة الشر هنا تبدأ من أصابعنا: نتثبت قبل النشر، ونمتنع عن التشهير، ونختلف بأدب، ونتذكر أن خلف كل اسم إنسانًا له كرامته وأسرته ومشاعره.

ومن الوعي كذلك أن نراجع أنفسنا؛ فقد تخرج منا كلمة قاسية، أو يصدر عنا حكم متسرع، أو نقسو على من لا يملك الدفاع عن نفسه. وحين ندرك خطأنا، تكون شجاعة الاعتذار وتصحيح الضرر خطوة حقيقية في مقاومة الشر.

ولعل أصعب ما نحتاج إليه بعد الإساءة هو أن نحمي قلوبنا من المرارة؛ أن نتعلم من التجربة دون أن نعمّم سوء الظن على الجميع، وأن نحفظ حدودنا مع بقاء قدرتنا على المحبة والعطاء. فليس من العدل أن يدفع الطيبون ثمن ما فعله المؤذون.

نواجه الشر بوعي يميز، وحزم يحمي، وعدل ينصف، وخير يمتد أثره إلى الآخرين. وننتصر عليه حين نوقف أذاه، ونحفظ حقوقنا، ونبقى أوفياء للقيم التي نؤمن بها؛ فلا تسمح قلوبنا للألم أن يحوّلها إلى مصدر ألم جديد .

للتواصل : badriya-10-11@hotmail. com

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى