النصيحة بين من يقومك ومن يدينك

✍️أروىٰ بنت مسلط العتيبي – كاتبة سعودية :
ليست العبرة بما نقول فحسب بل بكيفية قوله والأثر الذي نتركه في نفوس الآخرين
فالدين الذي أمرنا بالنهي عن المنكر أمرنا كذلك بالحكمة والموعظة الحسنة وجعل الرفق زينة القول والعمل ولم يجعل الإصلاح بابًا للغلظة أو النقد المستمر بل دعوة إلى الخير تبدأ من حسن الخلق وتستعين به لتبلغ غايتها
ولعلنا نغفل أحيانًا أن النفوس لا تستقبل الكلمات بمعزل عن أصحابها وأن للكلمة تاريخًا من المواقف يسبق وصولها وأن ما نزرعه في قلوب الآخرين يحدد إلى حد بعيد كيف يستقبلون ما نقول
فثمة من لا يكاد يراك إلا حين تخطئ ولا يلتفت إلى ما تبذله من جميل ولا يتوقف عند كلمة أحسنت كتابتها أو موقف أجدت التعبير عنه لكنه يحضر سريعًا حين يجد ما ينكره وكأن صفحات الخير لا تستحق الثناء ما دامت هناك هفوة تستحق التنبيه
وثمة من يراك بعين الإنصاف فيفرح لجميل ما تكتب ويحتفي بما تجتهد في تقديمه ويقتبس من كلماتك ما يلامس روحه ويذكرك في دعائه ويسأل عن أحوالك في غيابك فإذا رأى منك ما يستوجب المراجعة أقبل عليك بالنصح دون أن يشعرك أن خطأك ألغى صوابك أو أن ملاحظته تختصر كل ما فيك
فأي الكلمتين أبلغ أثرًا وأيهما أقرب إلى النفس
قد يسمع الإنسان الملاحظة ذاتها من شخصين فيتقبلها من أحدهما ويعيد النظر في موقفه استجابة لها بينما ينصرف عنها من الآخر وليس بالضرورة أن يكون الحق مختلفًا بينهما ولكن النفوس تعرف من خلال المواقف المتراكمة من الذي ينظر إليها بعين الإنصاف ومن الذي لا يلتفت إليها إلا حين يجد ما ينتقده
وهنا لا نتحدث عن مدح يشترى به القبول ولا عن ثناء يراد به إسقاط الواجب أو تعطيل النصح وإنما عن أخلاق تجعل للمعروف حقه وللخطأ قدره فلا يطغى أحدهما على الآخر
فكما أن النهي عن المنكر باب من أبواب الخير فإن الثناء على المعروف باب آخر من أبوابه وكما نحرص على تنبيه الآخرين إلى ما نراه خطأ يجدر بنا ألا نبخل عليهم بكلمة تقدير حين يصيبون وألا نجعل النقد اللغة الوحيدة التي يعرفونها منا
وقد قال الله تعالى ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ وقال النبي ﷺ «بشِّروا ولا تنفِّروا» وفي ذلك ما يذكرنا بأن صلاح المقصد لا يغني عن حسن الأسلوب وأن الدعوة إلى الخير تحتاج إلى بصيرة تعرف متى تنبه وكيف تنبه وأي الكلمات أقدر على فتح أبواب القبول
ليس كل نقد دليلًا على الحرص وليس كل ثناء مجاملة وليس الرفق تهاونًا ولا الحزم سوء خلق وإنما الميزان أن نضع كل شيء في موضعه وأن نكون عادلين في نظرتنا إلى الناس فلا نبصر عثراتهم وحدها ولا نغفل محاسنهم حين نريد تقويمهم
فمن أراد أن يترك أثرًا في الناس فليتذكر أن القلوب لا تفتح بالملاحظات وحدها وأن الإنسان الذي يجد منك تقديرًا في مواضع إحسانه سيكون أقدر على فهم حرصك حين تدعوه إلى مراجعة ما أخطأ فيه
وليس أجمل من أن نكون ممن يرفعون الهمم بكلمة ويهذبون المسار بنصيحة ويجمعون بين البشارة والتحذير وبين الثناء والتقويم فلا نُكثر من التنبيه حتى نُنسِي الناس جميل ما فيهم ولا نُكثر من الثناء حتى نغفل عن الحق
فالأخلاق ليست زينة تسبق النصيحة ثم تغيب عنها بل هي روحها التي تمنحها أثرها
وما أحوجنا أن نكون ممن إذا رأوا خيرًا أثنوا عليه وإذا رأوا خطأ أحسنوا التنبيه إليه وإذا أرادوا الإصلاح بدأوا من أنفسهم فتذكروا أن الغاية ليست أن نثبت للآخرين أنهم أخطؤوا بل أن نعينهم على أن يكونوا أفضل
فالدين ليس تنذيرًا مجردًا ولا نقدًا لا ينتهي بل هداية ورحمة وحكمة وبشارة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر بالحسنى
ولعل أعظم ما نتعلمه في هذا كله أن الكلمة قد تكون صحيحة في معناها لكنها لا تبلغ غايتها حتى تحسن أخلاقنا حملها إلى القلوب
.
للتواصل: [email protected]



