حين يغيب الضمير الإنساني

✍️ د . آمنه ال عبدالسلام ـ كاتبة عمانية :
ليس أخطر ما قد يصيب الإنسان أن يخطئ، فالخطأ جزء من طبيعته، ولا أن تزلّ به الخطى في دروب الحياة، فالتعثر لا ينفي القدرة على النهوض، وإنما الخطر الحقيقي أن ينطفئ في داخله ذلك النور الخفي الذي يهديه إلى الصواب، ويوقظ فيه الشعور بالمسؤولية، ويمنعه من التمادي في الأذى حين تتوارى العيون وتغيب المحاسبة. ذلك النور هو الضمير الإنساني؛ جوهر الأخلاق، وميزان النفس، والشاهد الذي لا تنطلي عليه زخارف التبرير مهما أتقن الإنسان صياغتها.
فالضمير ليس مجرد إحساس عابر بالندم، ولا فكرة نبيلة نتغنى بها في لحظات الصفاء، بل هو يقظة داخلية تُبقي الإنسان على صلة بإنسانيته، وتجعله يدرك أن أفعاله لا تُقاس بما تحققه له من منفعة فحسب، وإنما بما تتركه في نفوس الآخرين من أثر، وما تصونه من حقوق، وما تحمله من عدل ورحمة وصدق. إنه ذلك الصوت الذي يهمس في أعماقنا حين نكون على وشك ارتكاب ما لا يليق، ويعيدنا إلى ذواتنا حين تغرينا المكاسب، ويذكّرنا بأن الإنسان لا يُعرف بما يملكه وحده، بل بما يحمله من قيم، وما يمتنع عنه من أذى، وما يختاره حين تتعارض مصلحته مع حق غيره.
وحين يغيب الضمير الإنساني، تتبدل معايير الصواب والخطأ، وتفقد الأفعال معانيها الأخلاقية. يصبح الكذب وسيلةً مقبولة ما دام يحقق غاية، ويغدو الغدر حيلةً ذكية في نظر من لا يرى في العلاقات سوى مصالح متبادلة، ويُختزل الصدق في كونه خيارًا نافعًا لا قيمةً أصيلة. عندها لا يعود الإنسان يسأل نفسه: هل ما أفعله حق؟ بل يكتفي بالسؤال: هل أستطيع الإفلات من عواقبه؟ وهنا يبدأ الانحدار الحقيقي؛ حين يتراجع الوازع الأخلاقي أمام الرغبة، ويصبح غياب العقوبة مبررًا لارتكاب الخطأ، وكأن ما لا تراه العيون لا تعرفه الحقيقة، وما لا يحاسب عليه الناس لا تحمله النفس من وزر.
وليس غياب الضمير حدثًا مفاجئًا يطرأ على الإنسان في لحظة واحدة، بل قد يكون انطفاءً بطيئًا يبدأ بتنازل صغير، ثم يتسع مع التكرار، حتى يألف المرء ما كان يستقبحه، ويجد لكل تجاوز حجة، ولكل إساءة مبررًا، ولكل خذلان تفسيرًا يحفظ له صورته أمام نفسه. ومع مرور الوقت، لا يعود الخطأ في نظره خطأً، بل يصبح حقًا مكتسبًا، ولا يعود إيذاء الآخرين أمرًا يستدعي الندم، بل نتيجةً يحمّلهم مسؤوليتها. وهكذا يفقد الإنسان حساسيته تجاه الألم الذي يسببه، ويتحول من شخص يراجع أفعاله إلى شخص يراجع أعذاره.
ولعل أشد صور غياب الضمير قسوةً أن يعتاد الإنسان رؤية الألم من حوله دون أن تهتز في داخله ذرة من الرحمة، وأن يشهد انكسار خاطر فلا يجد في نفسه رغبةً في المواساة، أو يرى مظلومًا فلا يحرك فيه الظلم شعورًا بالإنصاف، أو يستغل ثقة إنسان به ثم يمضي مطمئنًا كأن شيئًا لم يكن. فالقسوة لا تبدأ دائمًا بفعل كبير، بل قد تبدأ حين يتوقف المرء عن الاكتراث، وحين يصبح وجع الآخرين تفصيلًا هامشيًا لا يستحق الالتفات. وما أقسى أن يحتفظ الإنسان بملامحه البشرية، بينما تتآكل في داخله المعاني التي تمنح هذه الملامح قيمتها.
إن الضمير الإنساني هو ما يجعلنا نشعر بأن الآخرين ليسوا مجرد عابرين في حياتنا، ولا أدوات لتحقيق رغباتنا، ولا أسماءً يمكن محوها من الذاكرة بعد انتهاء المصلحة. إنهم بشر لهم مشاعرهم، وكرامتهم، وحقهم في أن يُعاملوا بصدق وإنصاف. ومن هنا تنبع قيمة الوفاء، ونبل الاعتذار، وشجاعة الاعتراف بالخطأ، وجمال رد الحقوق إلى أصحابها. فليس من النبل أن يمتنع الإنسان عن الإساءة حين يعجز عنها، وإنما أن يملك القدرة عليها ثم يترفع عنها؛ وليس من الشرف أن يقول الحقيقة حين تخدمه، وإنما أن يتمسك بها حين تكلفه، وليس من الإنسانية أن يرحم من يحب فحسب، بل أن يحفظ كرامة من يختلف معه أيضًا.
وما أكثر ما يختبئ غياب الضمير خلف كلمات براقة؛ فقد يُسمّى الأنانية حرصًا على الذات، ويُسمّى الخداع فطنة، ويُسمّى التنكر للجميل تجاوزًا للماضي، ويُقدَّم الجحود على أنه تحرر من الالتزامات. غير أن الأسماء لا تغيّر حقائق الأشياء، ولا تمنح الفعل القبيح قيمةً لمجرد إحاطته بعبارات منمقة. فالأخلاق لا تُقاس بقدرة الإنسان على تبرير أفعاله، بل بقدرته على مواجهتها كما هي، دون مواربة أو تحايل. ومن يعتاد خداع ضميره ينتهي، في كثير من الأحيان، إلى تصديق الأكاذيب التي صنعها لنفسه، فيفقد القدرة على التمييز بين ما يريد أن يكون صحيحًا وما هو صحيح بالفعل.
ومع ذلك، فإن الحديث عن الضمير لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة للآخرين أو ادعاءٍ بالتفوق عليهم؛ فكل إنسان معرّض للضعف، وكل نفس قد تزلّ بها الخطى، ولا أحد يملك من الطهر ما يعفيه من مراجعة ذاته. غير أن الفارق يكمن في الموقف من الخطأ: أيتخذه المرء مناسبةً للاعتراف والإصلاح، أم يجعله بدايةً لسلسلة من المبررات؟ أيملك شجاعة الاعتذار حين يجرح، ورد الحق حين يظلم، والوفاء حين تتبدل المصالح، أم يختار الهروب من مسؤوليته خلف ستار المكابرة؟ فالضمير الحي لا يعني الكمال، بل يعني ألا يفقد الإنسان قدرته على الشعور بالخطأ، وألا يستسلم لفكرة أن الاعتراف ضعف، أو أن الاعتذار انتقاص من الكرامة.
إن أجمل ما في الضمير أنه يعيد الإنسان إلى إنسانيته كلما أوشك أن يبتعد عنها. يمنحه القدرة على مراجعة نفسه دون أن يكرهها، وعلى الاعتراف بزلله دون أن يفقد الأمل في إصلاحه، وعلى فهم الآخرين دون أن يتخلى عن حقه في الإنصاف. إنه ليس سوطًا دائمًا لمعاقبة الذات، بل بوصلة تعينها على استعادة الطريق. وحين يظل هذا الصوت حيًا، تبقى في الإنسان مساحة للنقاء مهما أثقلته التجارب، وفرصة للتغيير مهما تراكمت الأخطاء.
إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الكلمات التي تمجّد الفضيلة بقدر حاجته إلى قلوب تصدقها، ولا إلى أشخاص يتقنون الحديث عن الرحمة بقدر حاجته إلى من يمارسونها حين لا ينتظرون ثناءً أو مقابلًا. فما قيمة الكلام عن الوفاء إذا كان أول ما نتخلى عنه حين تتغير الظروف؟ وما قيمة ادعاء النزاهة إذا كنا نبحث عن مصلحتنا على حساب الآخرين؟ وما جدوى أن نبدو في أعين الناس أصحاب مبادئ، بينما نعرف في أعماقنا أننا أول من يساوم عليها عند أول اختبار؟
حين يغيب الضمير الإنساني، قد يستمر الإنسان في حياته بصورة طبيعية، يبتسم ويتحدث ويخالط الناس، لكن شيئًا عميقًا يتآكل في داخله؛ ذلك الشعور الذي يمنحه القدرة على احترام ذاته، والنظر إلى الآخرين بعين الرحمة، والنوم بقلب لا يثقله ظلم ارتكبه أو حق سلبه أو أمانة خانها. وقد يربح المرء موقفًا أو منفعةً أو رضا عابرًا، لكنه يخسر في المقابل شيئًا لا تعوّضه المكاسب: طمأنينة النفس حين تكون صادقة مع ذاتها.
وفي نهاية المطاف، لا يُقاس رقي الإنسان بما بلغه من مكانة، ولا بما جمعه من مال، ولا بما أحاط نفسه به من مظاهر القوة، وإنما بما بقي فيه من رحمة حين امتلك القدرة على القسوة، ومن صدق حين كان الكذب أنفع له، ومن عدل حين مالت به المصلحة إلى الجور. فالضمير هو القيمة التي تمنح سائر القيم معناها، وهو الحد الفاصل بين إنسان يخطئ ثم يعود إلى رشده، وإنسان يتخذ من الخطأ طريقًا ويصنع من تبريراته عالمًا يختبئ فيه من الحقيقة.
فحين يغيب الضمير الإنساني، لا يفقد المرء إحساسه بالآخرين فحسب، بل يفقد شيئًا من نفسه؛ وحين يستيقظ، يدرك أن أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس أن ينتصر على غيره، بل أن يظل وفيًّا لإنسانيته، حتى حين يكون التخلي عنها أسهل الطرق.
للتواصل : [email protected]



