على خطى البيت الأول: هل نعيد مع أزواجنا حكاية آبائنا؟

✍️عائشه السبيعي -كاتبة سعودية :
لما تأملت العلاقات الزوجية من حولي، لاحظت أن بعض التصرفات والخلافات بين الأزواج لا تبدأ مع الزواج، بل تمتد جذورها إلى سنوات الطفولة والبيئة الأسرية التي نشأ فيها كل طرف.
فمن الأزواج من يواجه الخلاف بالصمت، ومنهم من يرفع صوته، ومنهم من يجد صعوبة في التعبير عن مشاعره أو الاعتذار عند الخطأ.
وقد تبدو هذه التصرفات طباعًا شخصية، لكنها أحيانًا تكون امتدادًا لما اعتاده الإنسان في بيته الأول.
فمن نشأ في بيئة يُقابَل فيها الحوار بالإسكات، قد يتعلم الصمت بدلًا من التعبير، ومن اعتاد ارتفاع الأصوات قد يراه أسلوبًا طبيعيًا عند الخلاف، ومن لم يشاهد في أسرته المشاركة وتحمل المسؤولية، قد يجد صعوبة في ممارستهما في حياته الزوجية.
وهكذا قد نعيد، دون وعي، بعض ما عانيناه في طفولتنا، حتى وإن تمنينا ألا نعيشه مجددًا.
لكن هل يعني ذلك أننا محكومون بتكرار الماضي؟
بالتأكيد لا.
فالماضي قد يساعدنا على فهم بعض سلوكياتنا، لكنه لا يبرر إيذاء الطرف الآخر أو الاستمرار في تصرفات تضر بالعلاقة الزوجية.
ويبدأ التغيير حين يراجع كل طرف نفسه، ويدرك أن الحوار ليس ضعفًا، وأن الاعتذار ليس انتقاصًا من الكرامة، وأن الاختلاف لا يبرر الإهانة أو التجاهل.
فالزواج لا يحتاج إلى طرفين بلا أخطاء، بل إلى طرفين يتحملان مسؤولية تصرفاتهما، ويحرصان على فهم بعضهما وبناء علاقة يسودها الاحترام والتفاهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
إن بيوتنا الأولى تترك فينا أثرًا، لكنها لا تكتب نهاية حكاياتنا. فليس كل ما ورثناه عن أسرنا يستحق أن ينتقل إلى بيوتنا الجديدة، وليس كل ما اعتدناه هو بالضرورة ما نحتاج إلى الاستمرار فيه.
نستطيع أن نحتفظ من ماضينا بما هو جميل، وأن نتوقف عن تكرار ما آلمنا، وأن نجعل من زواجنا فرصة لبناء علاقة أكثر وعيًا ورحمة وطمأنينة.
فالسؤال ليس فقط: ماذا أخذنا من بيوتنا الأولى؟ بل: ماذا نريد أن نورّث للأجيال التي تأتي بعدنا؟
وحين نختلف مع من نحب، هل نختار أن نكرر ما تعلمناه، أم نمنح أنفسنا فرصة لنتعلم أسلوبًا أفضل في الحب والتعامل .
للتواصل : [email protected]



