الطنطل اسطوره تسكن ذاكرة الاجداد وتوقظ حكايات الخوف في ليل الخليج

✍️نجاح الوسمي – كاتبه سعوديه :
لم يكن الطنطل مجرد شخصية عابرة في القصص القديمة، بل ارتبط بذاكرة الطفولة وأساليب التربية الشعبية؛ إذ استخدم بعض الكبار حكايته لتخويف الأطفال وتحذيرهم من الخروج ليلًا أو الاقتراب من الأماكن الخطرة، مثل البيوت القديمه المهجوره والأماكن المظلمة .
أما أنا، فما زلت أتذكر منزلنا المتواضع في الداعوس، حين كنت أرغب في الخروج بعد المغرب إلى البقالة القريبة أو اللعب عند الداعوس، فتمنعني أمي وجدتي، وتقولان لي محذّرتين: ” لا تطلعين، بيجيك الطنطل ” .
كانت تلك الكلمات كفيلة بأن تغيّر كل شيء في داخلي؛ و أصدّقهما وأبدأ بتخيّل ذلك الكائن الغامض الذي لا أعرف شكله ولا أين يختبئ ، لكنني كنت أخاف منه وكأنه حقيقة أراها أمامي ؛ كنت أتراجع عن فكرة الخروج، وأبقى أسيرة خيالي، تتزاحم في رأسي الصور والمخاوف التي صنعتها حكاية الطنطل.
لم أكن أعلم حينها أن تلك الحكاية ستصبح يومًا ذكرى أستعيدها بابتسامة، وأن الخوف الذي كان يمنعني من الخروج بعد المغرب سيغدو جزءًا من حكايات طفولتي الجميلة. واليوم، بعد مرور السنوات، كلما تذكرت صوت أمي وجدتي وهما تحذّرانني، عاد إليّ شيء من ذلك الزمن، ببراءته وتفاصيله البسيطة، وبوجوه عزيزة لا تزال تسكن الذاكره .
وربما لم تكن الجدات والأمهات يقصدن سوى حمايتنا من مخاطر الليل، لكنهن كنّ يملكن أسلوبًا خاصًا في إقناعنا؛ حكاية صغيرة تكفي لأن تجعل الطفل يعيد حساباته قبل أن يخطو خارج الباب ؛ وهكذا انتقلت أسطورة الطنطل من جيل إلى آخر، حاملةً معها الخوف والدهشة، وأحيانًا شيئًا من الطرافة حين نستعيدها بعد أن كبرنا.
ولا توجد أدلة علمية موثوقة تثبت وجود الطنطل بوصفه كائنًا حقيقيًا، ولذلك يُصنَّف ضمن الشخصيات الأسطورية في الفولكلور الشعبي، لا ضمن الحقائق التاريخية المثبتة.
وهكذا يبقى الطنطل أكثر من مجرد شخصية مخيفة في حكاية قديمة؛ إنه جزء من حكايات طفولتنا، وشاهد على ثراء الموروث الشعبي، وعلى قدرة الحكاية الشفهية على عبور الأجيال.
فربما نكبر وتختفي مخاوفنا، لكن حكايات الجدات والأمهات تظل حاضرة فينا، تذكّرنا بزمن كانت فيه كلمة واحدة كفيلة بأن تحبسنا داخل البيت، وتترك في ذاكرتنا حكاية لا تُنسى.
للتواصل : [email protected]



