حين تتصل الشاشات وتنعزل القلوب مفارقة التواصل الإنساني في زمن الوصل الفائق

✍️ موسى النجعي – كاتب سعودي :
عيونٌ شاخصة نحو شاشات مضيئة وأصابع لا تكف عن التمرير وإشعارات تتوالى بلا انقطاع. هكذا تبدو ملامح يومنا في عصرٍ بات فيه التواصل متاحًا في أي وقت ومع أي شخص وفي أي مكان من العالم.
لكن خلف هذا الاتصال المستمر تلوح مفارقة تستحق التأمل كلما اتسعت شبكاتنا الرقمية ازدادت عزلة بعضنا في الواقع قد نملك مئات الأصدقاء وآلاف المتابعين ومع ذلك نفتقد أحيانًا حديثًا صادقًا أو لقاءً دافئًا أو حضورًا يمنحنا شعورًا حقيقيًا بالقرب والانتماء.
لعل أحد أسباب هذه المفارقة هو الخلط بين الاتصال الرقمي والتواصل الإنساني فالرسائل السريعة والتعليقات والتفاعلات تمنحنا لحظات من الاهتمام لكنها لا تعوض دائمًا دفء اللقاء ونبرة الصوت ولغة العيون والإنصات الذي يشعر معه الإنسان بأنه مفهوم ومقدر وقد تمنحنا كثرة الإشعارات إحساسًا مؤقتًا بالحضور بينما تظل حاجتنا إلى العلاقات العميقة قائمة.
التقنية وسيلة نافعة لتقريب المسافات وتيسير التواصل وتبادل المعرفة غير أن أثرها يرتبط بالطريقة التي نستخدمها بها فإذا استحوذت الشاشات على وقتنا وانتباهنا فقد تحجب عنا تفاصيل الحياة القريبة حديث العائلة ولقاء الأصدقاء وحتى لحظات الهدوء التي نحتاجها لنصغي إلى أنفسنا.
والعودة إلى تواصل أكثر إنسانية لا تتطلب تغييرات كبيرة قد تبدأ بخطوة بسيطة أن نضع الهاتف جانبًا لبعض الوقت ونمنح من حولنا حضورنا الكامل وننظر في عيونهم ونحن نصغي إليهم فالتواصل الحقيقي لايقاس بعدد الرسائل التي تصلنا بل بعمق الروابط التي نبنيها وبالمساحة التي نمنحها لبعضنا من اهتمام ووقت وصدق.



