كتاب الرأي

الأشياء التي لايصفق لها احد

        ✍️حمدة القرني – كاتبة سعودية :

لماذا نربط إنجازاتنا بحجمها، وبما يراه الآخرون منها؟ ولماذا لا نلتفت إلى إنجازاتنا الصغيرة، ولا نمنحها ما تستحقه من اهتمام، وكأنها لا تُحسب في رصيد نجاحاتنا؟
ربما لأننا اعتدنا قياس النجاح بما يبدو للآخرين عظيمًا، لا بما يتطلبه منا من جهد، ولا بما نتجاوزه في سبيل تحقيقه.
فقد تكون بعض الإنجازات التي نراها عادية أكبر بكثير من إنجازات أخرى تفرّغ أصحابها لها بالكامل، أو تهيأت لهم أسباب الوصول إليها، وربما جاءت بعض الفرص إليهم على طبق من ذهب، بينما اضطر آخرون إلى شقّ طريقهم بصعوبة، وتجاوز عقبات لم تكن ظاهرة لأحد.
تأملوا أمًّا تولّت تربية أبنائها وحدها، دون أب يشاركها المسؤولية، فكانت لهم الأم والأب، والسند والأمان. أليس هذا إنجازًا يستحق أن يُحتفى به؟ بل قد يكون أعظم من إنجازات مهنية نالت التصفيق والتكريم، لأن وراءه سنوات من الصبر والتضحيات والمحاولات التي لم يشهدها أحد.
وليس الإنجاز حكرًا على النجاحات الكبيرة أو المناصب الرفيعة؛ فقد يكون في أن تنجز الطبيبة مهامها بإتقان، أو أن يرتّب الإنسان أولوياته، ويدوّن مهامه، ثم يتمكن من إنجازها جميعًا في يومه. وقد يكون في ترتيب المنزل، أو الالتزام بالتمارين اليومية، أو الاستمرار في عادة نافعة رغم ضغوط الحياة.
أشياء تبدو بسيطة، وربما لا تستحق في نظرنا أن نتوقف عندها، لكنها تصنع فارقًا حقيقيًا في حياتنا، وتمنحنا شعورًا بالرضا والإنجاز حين نتمكن من إتمامها.
فلماذا نشعر بالإنجاز حين ننجزها، ثم نقلّل من شأنها حين نقيّم أنفسنا؟
لعلنا ننسى أن قيمة الإنجاز لا تُقاس بحجمه وحده، بل بالجهد الذي بذلناه لتحقيقه، والظروف التي واجهناها، والعقبات التي تجاوزناها في طريقنا إليه. فما يبدو يسيرًا لشخص، قد يكون تحديًا كبيرًا لشخص آخر، وما يحققه أحدهم في ظروف ميسّرة، قد يحتاج من غيره إلى أضعاف الجهد والوقت.
لسنا جميعًا ننطلق من نقطة واحدة، ولا نملك الظروف ذاتها، ولا نخوض المعارك نفسها؛ لذلك، ليس من العدل أن نقارن نتائجنا بنتائج الآخرين دون أن نلتفت إلى اختلاف طرقنا، وتفاوت إمكاناتنا، وما يحمله كل منا من مسؤوليات لا يراها سواه.
ربما حان الوقت لأن نعيد النظر في مفهوم الإنجاز، وألا ننتظر تصفيق الآخرين حتى نعترف بقيمة ما نفعله، وألا نؤجل شعورنا بالفخر بأنفسنا إلى أن نحقق شيئًا استثنائيًا في أعين الناس.
فقد يكون إنجازك اليوم أن تتمّ مهمة أجلتها طويلًا، أو أن تلتزم بوعد قطعته لنفسك، أو أن تواصل مسؤولياتك رغم التعب، أو أن تنهض وتبدأ يومك من جديد بعد فترة أثقلت كاهلك.
ليست كل الإنجازات تُرى، وليست كل النجاحات تُقاس بالأرقام أو تُوثّق بالشهادات.
بعضها يحدث في هدوء، بعيدًا عن الأضواء، لكنه يغيّر حياتنا شيئًا فشيئًا، ويبني في داخلنا قدرة على الاستمرار، وثقة بأنفسنا، وشعورًا بأننا نتقدم، حتى وإن لم يلاحظ أحد ذلك.
فلا تنتظر إنجازًا عظيمًا حتى تحتفي بنفسك، ولا تجعل من تصفيق الآخرين مقياسًا لقيمة ما تحقق.

للتواصل :[email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى