حين تتقاطع الأقدار وتتآلف العقول

✍️أ. د. محمد شايع الشايع – كاتب وإكاديمي بجامعة الملك سعود :
في حياة الإنسان أقدار، سببية توقيفية، لا يستأذن وقوعها، ولقاءات لا يخطط مسبقا لحدوثها، نحمل التسيير والتيسير، لكنها قد تترك في النفس أثرا لا تتركه سنوات من المعرفة والتعلم والحياة الرتيبة. نلتقي أشخاصا فتألفهم أرواحنا، ونجد في حضورهم سكينة لا يفسرها قرب المكان، ولا كثرة الحديث، وكأن بين عقولنا ما يتجاوز المصادفة، وبين نفوسنا ما يستجيب لحاجة عميقة إلى الفهم والقبول والأمان. وفي المقابل، قد تجمعنا الأيام بأشخاص نشاركهم المكان والتفاصيل، دون أن نجد معهم الطمأنينة التي تمنح العلاقة معناها. فما الذي يجعل بعض اللقاءات نقطة تحول في وجداننا؟ وكيف تتحول المصادفة إلى مودة، والتقارب إلى سكينة تستقر في النفس؟
لعل الإجابة تبدأ من حقيقة أن الألفة لا تصنعها كثرة اللقاءات وحدها، بل نوعية ما يجمع العقول من فهم، وما تتبادله النفوس من احترام، وما تمنحه العلاقة للإنسان من احتواء ولطف، يخلق منه راحة واطمئنان. وقد تكون مكافأة الرحمن للمتعلم الصادق، صاحب الفكر النير، سكينة واستقرارا وراحة بال، حين يجد من يحاوره بصدق، ويختلف معه بوعي، ويضيف إلى معرفته دون أن ينتقص من قدره. فليس كل لقاء مكسبا، ولا كل معرفة إضافة، لكن بعض اللقاءات تأتي وكأنها هدية من الأقدار، تعيد ترتيب أفكارنا وتمنح أرواحنا مساحة أوسع للطمأنينة.
وتبدأ هذه السكينة من الإنسان نفسه، حين يعمل على تهذيب ذاته بالقراءة والتدريب، ومراجعة النفس وتقييم الأداء، حتى تتحول المعرفة إلى سلوك، ويصبح الوعي حاضرا في تفاصيل حياته اليومية. وتظهر آثار ذلك بوضوح داخل البيوت، فالطمأنينة لا تصنعها الجدران ولا اتساع البنيان، بل يصنعها التفاهم والقبول المتبادل وصدق التعامل. وعندما يقع الخلاف، يكون الاعتذار الصادق شجاعة تحفظ المودة، ويكون قبول الاعتذار حكمة تصونها، ويتحول سوء الفهم إلى فرصة للحوار والإصلاح. أما حين يغيب الاعتذار والتسامح، فقد تتحول البيوت إلى أماكن تجمع الأجساد، فيما تظل القلوب متباعدة.
غير أن فهم الآخرين ليس أمرا سهلا، ولا تمنح المعرفة صاحبها حق الادعاء بأنه الأقدر على تفسير نوايا الناس. فقد ينساق المرء وراء حدسه حتى يتعامل معه باعتباره حقيقة، أو يخلط بين التحليل والافتراض، فيحاكم الآخرين بناء على تصورات لم يتحقق من صحتها. وقد تتحول المعرفة بعلم النفس والاجتماع، بدلا من أن تكون وسيلة لفهم الإنسان، إلى أداة لاقتحام خصوصيته وإصدار الأحكام عليه. والحقيقة أن ليس كل انطباع دليلا، ولا كل تحليل صوابا، ولا كل من يكثر الحديث عن الوعي يمتلك بالضرورة ناصيته.
ومن هنا تبرز أهمية التوافق المعرفي (Cognitive Compatibility)، الذي يعني قدرة الإنسان على فهم منطق الآخر ومناقشة أفكاره وتقدير أدلته، حتى عندما تختلف النتائج التي يصل إليها الطرفان. فالتوافق الفكري لا يعني التطابق في الآراء، وإنما القدرة على الحوار دون خصومة، مع التأكيد بأن الحوار قيمة مطلقة وليست توقيفية، مع احترام وتقدير مراجعة القناعات حين تظهر حجة أرجح، واحترام حق الآخر في الوصول إلى رؤية من زاوية مختلفة. فالعقول الناضجة لا تخشى الاختلاف، بل تراه فرصة لاختبار الأفكار وتوسيع المعرفة.
ويتصل بذلك ما يمكن تسميته بالانجذاب الفكري (Intellectual Fascination)، وهو ميل الإنسان إلى العقول التي تثير الأسئلة، وتفتح آفاقا جديدة للتأمل، وتربط المعلومات بسياقاتها النفسية والاجتماعية والإنسانية. وهذا الانجذاب لا تصنعه البلاغة وحدها، ولا كثرة المصطلحات، بل عمق الفكرة، وصدق الحجة، وحسن التحليل، والقدرة على إيقاظ العقل دون استعلاء. ويكتمل هذا المعنى بالوعي الفكري (Intellectual Awareness)، الذي يساعد الإنسان على بناء رأيه المستقل، وتمحيص ما يسمع ويقرأ، والاستفادة من أفكار الآخرين دون الذوبان فيها أو رفضها لمجرد الاختلاف معها.
ولعل أجمل ما في تآلف العقول أن الإنسان يجد من يختلف معه دون أن يعاديه، ويناقشه دون أن ينتقص منه، ويصحح له دون أن يشعره بالدونية. وهنا تظهر قيمة التآلف بين الطباع (Temperamental Affinity)، إذ لا يشترط استمرار المودة أن تتشابه الشخصيات في كل شيء، بل أن تتعلم النفوس فهم اختلافاتها والتكيف معها، وألا تجعل من كل هفوة دليلا على سوء النية، أو من كل اختلاف سببا للقطيعة. فالعقول تتقارب بالحوار، وتتسع بالمعرفة، وتستمر المودة حين تتسع النفوس للاختلاف.
وعلى النقيض من ذلك، يقف التسطيح العقلي (Intellectual Superficiality)، حين تختزل المواقف في أحكام متعجلة، ويحل التأويل محل الفهم، والتسرع محل التأمل. فقد يقرأ الإنسان التفاصيل كلها، لكنه يعجز عن إدراك الصورة الكاملة، وقد يمتلك أدوات التحليل دون أن يحسن فهم الإنسان. ويزداد الأمر تعقيدا حين يبحث المرء عن معنى خفي وراء كل كلمة، ويفسر كل صمت باعتباره رسالة مقصودة، ويحول المواقف العابرة إلى أدلة إدانة. عندها يصبح التفكير مصدرا للقلق واستنزاف النفس بدلا من أن يكون طريقا إلى الفهم.
ويمكن وصف جانب من هذا القصور مجازا بالعمى الليلي الفكري، حين تحجب الأحكام المسبقة بصيرة الإنسان، فلا يرى من الأدلة إلا ما يوافق تصوره، أو ينشغل بعيوب صاحب الفكرة بدلا من مناقشة مضمونها. وتزداد الحاجة هنا إلى عقل ينصف الفكرة قبل صاحبها، ويميز بين ما يعرفه فعلا وما يفترضه، وبين الحقيقة التي تدعمها الأدلة والانطباع الذي تصنعه المواقف العابرة.
وتفسر نظرية الإسناد السببي (Attribution Theory) جانبا من هذه الإشكالية، إذ يميل الناس أحيانا إلى تفسير تصرفات الآخرين بصفاتهم ونواياهم، مع إغفال الظروف التي أحاطت بالموقف. كما تؤثر التنشئة الاجتماعية (Socialization) في تشكيل القيم وردود الأفعال، فتجعل ما يبدو طبيعيا لشخص غريبا على آخر. ولذلك، لا يعني اختلاف التصرفات بالضرورة اختلاف المقاصد، ولا يصح بناء الأحكام على موقف منفرد دون فهم سياقه. وقد يكون السؤال الصادق والتوضيح المباشر أقصر طريق إلى الحقيقة، بدلا من الاسترسال في الظنون التي لا تزيد العلاقة إلا تعقيدا.
ومن أهم ما يحفظ العلاقات الإنسانية الاحتواء النفسي، وهو لا يعني الموافقة الدائمة أو التنازل عن المبادئ، بل احترام حق الآخر في التعبير دون خوف من الإهانة أو سوء التأويل. ويتصل بذلك مفهوم الأمان النفسي (Psychological Safety)، الذي يتيح للإنسان أن يناقش ويختلف ويعترف بخطئه دون أن يخشى الانتقاص من كرامته. وفي هذه البيئة يصبح العتاب وسيلة للإصلاح، والتغاضي حكمة، والتجاوز الواعي اختيارا يحمي النفس من الانشغال بما لا يستحق، مع الاحتفاظ بالقدرة على الحزم حين تستدعي المواقف ذلك.
إن مكافأة الرحمن للمتعلم الصادق لا تقف عند حدود ما يكتسبه من علم، بل تمتد إلى ما ينضج في داخله من بصيرة، وما ينعكس على سلوكه من إنصاف، وما يجده في نفسه من سكينة واستقرار وراحة بال. فكلما اتسعت المعرفة وتواضع صاحبها، أصبح أقدر على فهم الناس دون ادعاء، وعلى إدارة الخلاف دون خصومة، وعلى التمييز بين ما يستحق النقاش وما يستحق التجاوز. وليس النضج أن ينتصر الإنسان في كل حوار، بل أن يعرف متى يتكلم، ومتى يصغي، ومتى يراجع رأيه، ومتى يمضي دون أن يحمل في صدره عبء كل موقف.
وفي نهاية المطاف، قد تجمع الأقدار بين الناس، لكن وعيهم يمنح اللقاء معناه، وأخلاقهم تحدد مساره، وسعة أفقهم تحفظ استمراره. وليس كل رزق مما تراه العين، ولا كل قدر تنكشف حكمته في حينه، ولا كل لقاء عابر عابرا في أثره. فقد يكون بعض الرزق عقلا يضيف إلى عقولنا، وحوارا يحرر أفكارنا، ونفسا تحسن الإصغاء، وإنسانا نشعر معه أننا لسنا مضطرين إلى التبرير المستمر أو الدفاع الدائم عن نوايانا.
فلنجعل من أقدارنا مجالا لحسن الظن بالله، ومن العلم والتجربة والإنصاف أدوات لفهم الحياة، لا وسائل لفرض تأويلاتنا عليها أو مصادرة عقول الآخرين وآرائهم. فليس من النضج أن نطالب الناس بالتفكير كما نفكر، ولا من الوعي أن نحاكم اختلافهم باعتباره نقصا في الفهم، فالعقل الذي لا يتسع للرأي المختلف يضيق بصاحبه قبل أن يضيق بالآخرين. وما أشد المفارقة حين يتحول بعض المتشبثين بأفكارهم إلى أوصياء على عقول الناس، فيما تتوافق الجينات بين المتألفين وكأنهم حفدة لويس التاسع عشر بالذكاء الفطري، يستنسخون منطق التجاذب الفكري ويتفقون في مصادر الرأي، وقراءة الفكرة بذاتها والمراد منها، وإن اختلفت الأزمنة وتبدلت المسميات.
إن مكافأة الرحمن للمتعلم الصادق والفكر النير ليست في امتلاك الإجابات وحدها، بل في سكينة النفس، واستقرار الفكر، وراحة البال، وفي القدرة على الاختلاف دون خصومة، والحوار دون استعلاء، والاقتناع دون إكراه. فحين تتقاطع الأقدار وتتآلف العقول، تصبح المعرفة جسرا للتفاهم، ويغدو الاختلاف فرصة للنضج، وتظل حرية الفكر واحترام الرأي من أهم الشروط التي تحفظ للإنسان كرامته، وللعلاقات الإنسانية صفاءها، وللحياة معناها.
للتواصل : [email protected]



