معرض الصقور والصيد السعودي الدولي.. حين يحلّق الموروث نحو المستقبل

✍️ نجد الثبيتي_كاتبة صحفية :
في المملكة العربية السعودية، لا تُروى حكاية الصقر بوصفها حكاية طائر فحسب، بل بوصفها جزءًا من ذاكرة المكان والإنسان. فمنذ عقود طويلة، ارتبط الصقر بالصحراء والرحلات والصيد، وظل حاضرًا في تفاصيل الحياة ومجالس الآباء والأجداد، حتى أصبح رمزًا للأصالة والشجاعة والاعتزاز بالموروث.
ومن هذا الامتداد الثقافي، انطلقت فعاليات معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026 في مركز الرياض للمعارض والمؤتمرات بملهم، ليقدم صورة حديثة لموروث راسخ، ويجمع بين الصقارة والصيد والرحلات والمغامرات والثقافة والترفيه، في تجربة تتجاوز العرض التقليدي إلى التعريف والاستثمار وصناعة الفرص.
ويأتي المعرض هذا العام تحت شعار «تجربة للجميع»، بمشاركة 254 عارضًا وعلامة تجارية من 20 دولة، وعلى مساحة تبلغ نحو 197 ألف متر مربع. ومنذ اللحظات الأولى، بدا واضحًا حجم التنوع الذي يقدمه المعرض، إذ التقى ملاك الصقور والصقارون والهواة والمهتمون بالشركات والعلامات التجارية المتخصصة، في مشهد تتجاور فيه الخبرة المتوارثة مع المنتجات الحديثة والتقنيات الجديدة.
حضور يروي الحكاية
لم يكن حضور ملاك الصقور مجرد مشاركة لعرض الطيور أو اقتنائها، بل حمل معه تجارب طويلة في التدريب والرعاية والمعرفة. ففي طريقة حمل الصقر، وفي التعامل معه، وفي الحديث عن طباعه ومراحل تدريبه، تظهر علاقة خاصة بين الإنسان وطيره؛ علاقة تقوم على الصبر والممارسة والثقة.
ويمنح المعرض الزائر فرصة للاقتراب من هذه التفاصيل، والتعرف على أدوات الصقار، ومراحل تدريب الصقر، ووسائل العناية به، إلى جانب مشاهدة جانب من موروث ظل ينتقل من جيل إلى آخر، لكنه يُقدَّم اليوم في مساحة حديثة تتيح للأجيال الجديدة اكتشافه وفهم قيمته.
كما يجد الهواة والعائلات والشباب مساحة واسعة للتجربة والتعرف من خلال الفعاليات المصاحبة والورش والتجارب التفاعلية، التي تجعل من المعرض أكثر من مجرد أجنحة للعرض، وتحوله إلى مساحة يعيش فيها الزائر تفاصيل عالم الصقارة والصيد والرحلات.
فرص تتجاوز الموروث
وفي جانب آخر من المشهد، يحضر المستثمرون وأصحاب المشاريع والعلامات التجارية، ليكشف المعرض عن قطاع اقتصادي متنامٍ يرتبط بالصقارة وما حولها من مجالات.
فالسوق لم تعد تقتصر على الصقر وأدواته التقليدية، بل اتسعت لتشمل الرعاية البيطرية، ومستلزمات التدريب والتغذية، وأجهزة التتبع والاتصال، ومعدات الرحلات والمغامرات، إضافة إلى المنتجات الجلدية والحرفية والخدمات المتخصصة.
وتبرز أهمية المعرض هنا بوصفه نقطة التقاء بين أصحاب الشغف وأصحاب الأعمال؛ فالمستثمر يتعرف على احتياجات سوق حقيقية، ويلتقي بالملاك والصقارين والمستخدمين، بينما يجد صاحب المشروع فرصة لعرض منتجه، والاستماع إلى الملاحظات، وتطوير خدماته بما يتناسب مع تطلعات المهتمين بهذا المجال.
وتؤكد طبيعة المشاركات التجارية أن الصقارة أصبحت جزءًا من منظومة اقتصادية وثقافية أوسع، تستفيد من التقنية والتطوير، دون أن تفقد ارتباطها بجذورها الأولى.
المزاد وقيمة الصقر
يبقى مزاد الصقور من أكثر المشاهد جذبًا للزوار، لما يحمله من منافسة وشغف ومعرفة دقيقة بقيمة الطيور. فالمزاد لا يقوم على المزايدة وحدها، بل تسبقه عملية تقييم تعتمد على نوع الصقر ومواصفاته وعمره ومستواه التدريبي وحالته الصحية، وهي تفاصيل يدرك أهل الصقارة أهميتها جيدًا.
وفي تلك اللحظات، يبدو الصقر أكثر من مجرد سلعة؛ إذ يقف خلف كل طائر تاريخ من التربية والتدريب والخبرة. وتتحول المزايدة إلى مساحة يلتقي فيها أهل الاختصاص والملاك والمشترون والمهتمون، في مشهد يعكس حجم السوق المتخصصة التي نشأت حول هذا الموروث.
تجارب متعددة
وعلى الرغم من أن المعرض يحمل اسم الصقور والصيد، فإن تجربته تتسع لتشمل مجالات متعددة، من المغامرات والرحلات البرية إلى الهايكنق والسفاري والدفع الرباعي والرماية، إلى جانب «صقار المستقبل» ومتحف شلايل والعروض الفلكلورية وورش العمل والتجارب المعرفية.
كما يستضيف المعرض حي الطريف التاريخي ضمن مبادرته السنوية للتعريف بالمواقع السعودية المدرجة على قائمة التراث العالمي، ليحضر الموروث بأكثر من صورة، وتلتقي الصقارة بذاكرة المكان والتاريخ.
ويضيف سباق الملواح جانبًا تنافسيًا إلى الفعاليات، فيما تمنح المزادات والورش والبرامج المصاحبة الزائر مسارات متنوعة لاكتشاف عالم الصقور والصيد والمغامرات.
نحو المستقبل
تكمن قيمة معرض الصقور والصيد السعودي الدولي في قدرته على الجمع بين زمنين؛ زمن يحمل ذاكرة الآباء والأجداد، وزمن يفتح المجال أمام التقنية والاستثمار والتطوير.
فالصقر الذي كان رفيقًا للصقار في الصحراء، أصبح اليوم جزءًا من فعالية دولية تستقطب العارضين والمستثمرين والملاك والهواة والزوار من داخل المملكة وخارجها. ومع هذا الاتساع، تظل روح الصقارة كما هي؛ علاقة تقوم على المعرفة والصبر والوفاء للموروث.
ومن بين الأجنحة والفعاليات، وبين أصوات المزايدات وحديث الملاك والمستثمرين، تتشكل صورة وطن يعرف كيف يحفظ موروثه دون أن يضعه في إطار الماضي وحده، بل يمنحه مساحة جديدة للنمو والتطور، ويفتح من خلاله أبوابًا للثقافة والسياحة والأعمال.
وهكذا يؤكد المعرض أن الموروث لا يعيش بالاحتفاظ به فقط، بل بتقديمه للأجيال بلغة العصر، وربطه بالمعرفة والاقتصاد والسياحة، وتحويله إلى تجربة حية يشعر بها الزائر ويشارك فيها.
هنا لا يحلّق الصقر وحده؛ بل يحلّق معه موروث وطن، يحمل ذاكرته في جناحيه، ويمضي بها بثبات نحو المستقبل.
للتواصل : [email protected]



