المملكة.. وطنٌ للإنسان قبل أن تكون وطنًا للحدود

✍️ ندى الخمعلي – كاتب سعودي:
في موقف جديد يجسد حكمة القيادة السعودية وبعدها الإنساني، جاءت توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – أيده الله – بالاستجابة لطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الدكتور رشاد محمد العليمي، وتصحيح أوضاع جميع المواطنين اليمنيين الموجودين في المملكة بطرق غير نظامية، لتؤكد أن المملكة العربية السعودية لم تكن يومًا بعيدة عن الإنسان العربي، ولا عن أشقائها الذين دفعتهم الظروف الصعبة إلى البحث عن الأمن والاستقرار.
وقد أعلنت وزارة الداخلية البدء بإجراءات تصحيح الأوضاع، بالتعاون مع وزارة الخارجية ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، على أن تعلن المديرية العامة للجوازات والجهات ذات العلاقة موعد بدء الإجراءات وضوابطها، فيما اشترطت الوزارة للاستفادة من التصحيح وجود جواز سفر يمني. (الصفحة الرئيسية للهيئة العامة للترفيه)
إن هذا القرار لا يمكن النظر إليه باعتباره إجراءً إداريًا فحسب، بل يحمل في مضامينه رسالة إنسانية وأخوية عميقة؛ فاليمن الشقيق يمر منذ سنوات بظروف قاسية انعكست على حياة الملايين، وأصبح كثير من أبنائه يبحثون عن الأمان والعيش الكريم بعيدًا عن الصراعات التي أثقلت وطنهم وأرهقت أبناءه.
وفي مثل هذه الظروف، تأتي المملكة لتؤكد أن الأنظمة والقوانين لا تتعارض مع الرحمة، وأن تطبيق النظام يمكن أن يترافق مع مراعاة الظروف الإنسانية والاستثنائية. فتصحيح الوضع لا يعني تجاوز الأنظمة، بل يعني منح الإنسان فرصة للعودة إلى المسار النظامي، وحماية كرامته، وتمكينه من العمل والإقامة وفق الأطر التي تحددها الدولة.
والمملكة العربية السعودية، وهي تستضيف ملايين المقيمين من مختلف الجنسيات، عُرفت بمواقفها الإنسانية والأخوية، خصوصًا تجاه الشعب اليمني، الذي تربطه بالشعب السعودي روابط تاريخية واجتماعية وجغرافية عميقة. وقد أكدت الحكومة اليمنية أن هذه المبادرة امتداد للمواقف السعودية الأخوية والدعم المتواصل لليمن، وتجسد عمق الروابط التاريخية بين البلدين والشعبين. (الخارجية اليمنية)
ولم يكن مستغربًا أن يعبّر الرئيس اليمني الدكتور رشاد العليمي عن خالص شكره وتقديره لخادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على هذه التوجيهات الكريمة، مؤكدًا أن المملكة تواصل دعم اليمن وشعبه وتخفيف معاناته. (أخبار 24)
إن أجمل ما في القرار أنه يضع الإنسان في قلب الاهتمام، ويؤكد أن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تملكه من اقتصاد ومشروعات وقدرات، وإنما أيضًا بقدرتها على أن تكون رحيمة حين تستدعي الظروف الرحمة، وحكيمة حين تحتاج المواقف إلى الحكمة.
ومن هنا فإن توجيه خادم الحرمين الشريفين يحمل رسالة تتجاوز تصحيح الأوراق والإقامات؛ إنها رسالة طمأنينة لأشقاء وجدوا في المملكة ملاذًا آمنًا، ورسالة أخرى تؤكد أن المملكة ستظل، بإذن الله، سندًا لليمن وشعبه، وأن الأخوة السعودية اليمنية أكبر من الظروف وأبقى من الأزمات.
لقد اختارت المملكة في هذا الموقف أن تفتح بابًا للتصحيح، وأن تمنح فرصة جديدة لمن حالت ظروف وطنه دون انتظام وضعه، في إطار واضح تحفظ فيه الدولة أنظمتها وهيبتها، ويحفظ فيه الإنسان كرامته وأمنه واستقراره.
وهكذا تبرهن القيادة السعودية مرة أخرى أن الحزم والحكمة والرحمة ليست متناقضات، بل يمكن أن تجتمع جميعها في قرار واحد، عندما يكون الهدف هو الإنسان، وعندما تكون الأخوة الصادقة عنوانًا للعلاقة بين شعبين جمعتهما الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك.
للتواصل : [email protected]



