أكثر من 1300 عام من الضيافة نيشيياما أونسن كيونكان… حين يتحول المكان إلى إرث حي

✍️ د. حليمة عسيري – متخصصة في إدارة المطاعم والفنادق والمنشآت السياحية وفنون الطهي والسياحة الطهوية :
في صناعة السياحة والضيافة، لا يكفي بناء فندق حديث أو تقديم غرف فاخرة؛ فالتحدي الحقيقي هو ابتكار تجربة تعبر الزمن.
في اليابان، يقدم نيشيياما أونسن كيونكان (Nishiyama Onsen Keiunkan) مثالًا استثنائيًا. فقد تأسس عام 705م، وسُجل في موسوعة غينيس بوصفه أقدم فندق في العالم.
لكن قيمة المكان لا تكمن في عمره وحده، بل في قدرته على الجمع بين الطبيعة والماء والطعام والعائلة والضيافة، مع الحفاظ على هويته وتطوير تجربته.
من الينابيع إلى الضيافة
يقع كيونكان في منطقة جبلية بمحافظة ياماناشي، وسط الجبال والينابيع الساخنة. أسسه فوجيوارا نو ماهيتو، وأصبح الينبوع الطبيعي منذ البداية محورًا لتجربة الزائر.
فالفندق لم يكن المنتج الوحيد؛ إذ تحولت المياه الحارة والهدوء والهواء والطبيعة إلى عناصر أساسية في التجربة السياحية.
وهنا درس مهم: لا نحتاج دائمًا إلى صناعة التجربة من الصفر، بل يمكن اكتشاف قيمة ما نملكه وتقديمه بطريقة احترافية.
الاستمرارية عبر الأجيال
تشير المصادر إلى أن كيونكان ارتبط بإدارة 53 جيلًا من العائلة. ولم تكن الاستمرارية مجرد الحفاظ على مبنى قديم، بل على النشاط والهوية والعلاقة بالمكان، مع تطوير الخدمات وفق احتياجات كل عصر.
فالحفاظ على الهوية لا يعني رفض التغيير، بل معرفة ما يجب أن يبقى وما يحتاج إلى التطوير.
هل المبنى عمره 1300 عام؟
من المهم التوضيح أن المبنى الحالي ليس بالضرورة الهيكل نفسه الذي شُيد في القرن الثامن. فقد شهد المكان عبر القرون أعمال تجديد وإعادة بناء.
لكن الذي استمر هو الموقع والينابيع ونشاط الضيافة والتقاليد المرتبطة به. وهذا يوضح أن الاستدامة لا تعني تجميد الماضي، بل الحفاظ على جوهره مع السماح له بالتطور.
الطعام جزء من التجربة
يقدم كيونكان اليوم أطباقًا يابانية راقية من أسلوب كايسيكي (Kaiseki)، تعتمد على المواسم والمكونات المحلية، مثل الأسماك والخضروات والمنتجات المرتبطة بالمنطقة.
لذلك لا يكون الطعام مجرد خدمة، بل وسيلة للتعرف على طبيعة المكان وثقافته.
أما عن بدايات الفندق، فلا تتوافر قائمة طعام موثقة تعود إلى عام 705م؛ لذا لا يصح إسقاط الأطباق الحالية على القرن الثامن دون دليل تاريخي.
الماء محور التجربة
يضم الفندق حاليًا ستة حمامات ينابيع حارة، داخلية وخارجية، يستمتع بها الضيوف وسط الطبيعة.
وهكذا تحول المورد الطبيعي إلى محور للمنتج السياحي، لا إلى عنصر ثانوي. وهذا نموذج مهم لاستثمار الموارد المحلية مع الحفاظ على ارتباطها بالهوية.
سر الاستمرارية
لا يصنع العمر وحده النجاح. فقد اجتمعت في كيونكان عناصر عدة: موقع مميز، مورد طبيعي فريد، هوية واضحة، ضيافة متوارثة، طعام يعكس البيئة، واستعداد للتطوير.
لذلك لم يبقَ الفندق أسير الماضي، بل واصل استقبال الضيوف في الحاضر.
ماذا نتعلم في السعودية؟
تمتلك السعودية موارد قادرة على بناء تجارب سياحية متكاملة: القرى التراثية، والبيوت القديمة، والجبال، والعيون، والمزارع، والأسواق التاريخية، والبحر، والصحراء، والأطعمة المحلية.
كما نملك ثقافة ضيافة غنية تشمل القهوة السعودية والتمر والمجالس وطرق استقبال الضيف والقصص والعادات المتنوعة بين المناطق.
الطعام بوابة لاكتشاف المكان
في عسير مثلًا، يمكن أن تبدأ التجربة من السوق، ثم التعرف على المكونات، وزيارة موقع تراثي، ومشاهدة إعداد طبق محلي، والمشاركة في تحضيره، ثم تناوله مع معرفة قصته وعلاقته بالمجتمع.
عندها يتحول الطعام من وجبة إلى وسيلة لاكتشاف الثقافة والتاريخ والبيئة والناس. وهذا هو جوهر السياحة الطهوية.
الدرس الحقيقي
لا تعني قصة كيونكان أننا نحتاج إلى فنادق عمرها ألف عام، بل تدعونا إلى التفكير فيما نملكه اليوم ويمكن أن يستمر مستقبلًا: مبنى تراثي، طبق شعبي، مورد طبيعي، سوق قديم، أو طريقة في استقبال الضيف.
إن مستقبل السياحة في السعودية لا يعتمد فقط على إنشاء منشآت جديدة، بل على اكتشاف قيمة تراثنا ومناطقنا ومطابخنا المحلية، وتحويلها إلى تجارب احترافية قابلة للاستمرار.
فكيونكان لم يصبح استثنائيًا لأنه عاش 1300 عام فقط، بل لأنه جعل هويته تعيش معه.



