آفة العنصرية

✍️ بدرية المعجل – كاتبة سعودية :
قال تعالى في محكم كتابه: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. ففي هذه الآية الكريمة دعوة إلى التعارف والتآلف، وتأكيد أن ميزان التفاضل بين الناس هو التقوى، لا الأنساب ولا الألوان ولا الانتماءات.
لقد حثّنا ديننا الإسلامي الحنيف على الأخوّة والتراحم وصون كرامة الإنسان، وجعل اختلاف الشعوب والقبائل بابًا للتواصل والتكامل. فما أجمل أن يعتزّ الإنسان بأصله، ويُحسن تمثيله بأخلاقه وأفعاله، ويحترم أصول الآخرين وكرامتهم، دون استعلاء أو انتقاص!
ومهما طال عمر الإنسان، ومهما بلغ من المكانة والرفعة في هذه الحياة، فإن مآله إلى الرحيل؛ فلا تصحبه ألقابه ولا أمجاده، وإنما يبقى له عمله وأثره. وفي الكفن تسقط مظاهر التفاخر، ولا تنفع المرء إلا صالح أعماله.
وما نراه من تنمّر وعنصرية وتجريح شخصي في مواقع التواصل الاجتماعي يكشف خللًا في احترام الآخر، ويحوّل مساحات الحوار إلى ساحات للإساءة والتنازع. فالسخرية من لهجة، أو الانتقاص من منطقة، أو التعيير بنسب، سلوك يجرح الكرامة ويغذّي الفرقة. والكلمة مسؤولية، وما نكتبه قد يترك في النفوس أثرًا يتجاوز لحظة نشره.
والأرزاق بيد الله، يهبها لمن يشاء بحكمته؛ فلا يرفع الحسد صاحبه، ولا تنقص الإساءة من فضل الآخرين. والأجدر بالإنسان أن ينشغل بإصلاح نفسه وتنمية قدراته، وأن يتمنى لغيره الخير كما يتمناه لنفسه.
وفي كل منطقة من مناطق بلادنا، وفي كل محافظة ومدينة وقرية وهجرة، أهل فضل وكرم ومروءة ونخوة، وأصحاب علم وعطاء وإنجاز. وخيرهم مصدر اعتزاز لنا جميعًا؛ فكل نجاح يحققه أحد أبناء الوطن أو بناته يضيف إلى رصيد الوطن، ويستحق الفرح والتقدير.
وقد حذّر النبي ﷺ من دعوى العصبية بقوله: «دعوها؛ فإنها منتنة». وهو تحذير من عصبية تُفسد العلاقات وتثير الشقاق، وتُضعف الروابط التي تجمع أفراد المجتمع.
نحن نفخر بأبناء وطننا وبناته، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، ونعتزّ بلهجاتهم المتنوعة، ففي كل منها عذوبة وخصوصية، وفي تنوّع عاداتهم وموروثهم ثراء لهويتنا الوطنية. ويجمعنا وطن نحبّه، وقيم نصونها، ومسؤولية مشتركة تجاه وحدته واستقراره.
إن محاربة العنصرية تبدأ من الكلمة التي نختارها، ومن التربية التي نغرسها في أبنائنا، ومن موقفنا حين نرى إساءة تُوجَّه إلى الآخرين. فلنرفض التعميم والتجريح، ولنربِّ أبناءنا على احترام الناس وإنصافهم، ولنحرص على أن تكون مشاركاتنا جسورًا للمودة، وأن يكون اختلافنا مساحة للفهم والتعارف.
نسأل الله أن يرزق أبناء وطننا وسائر المسلمين من واسع فضله، وأن يحفظهم من كل شر، وأن يديم على وطننا الغالي وحدته وتكاتفه ولحمته، وأن يطهّر قلوبنا من الغل والحسد، ويُبعد عنا دعاة الفرقة ومثيري الفتن.
فالوطن يسمو بتآلف أهله، ويقوى باحترامهم بعضهم بعضًا، ويزدهر حين يجد كل فرد فيه التقدير والكرامة.
للتواصل : badriya-10-11@hotmail. com



