ثلاثية الفضيلة الإدارية: كيف تروّض القوانين جموح الموهبة لتبعث “المنتخب البطل”؟»

✍️حسن المقصودي – كاتب رأي :
هنيئاً للوطن، وألف مبروك لكل قلبٍ نبض بالوفاء، ولكل عينٍ دمعت فرحاً في ليلةٍ أعادت لنا كبرياءنا الكروي المفقود.
لقد تهادت الكأس الغالية أخيراً بين أيدي الأبطال، لتروي عطش سنينٍ طال أمدها، وتطوي صفحة ثلاثة وعشرين عاماً من الانتظار المرير والركض في حلبات الوعود السرابية. لم تكن ليلة التتويج بلقب خليجي ٢٧ مجرد مسرحية كروية حسمتها تفاصيل عابرة أو ابتسامة عفوية من ثغر الحظ؛ بل كانت صرخة ميلاد مجيد لمنتخبٍ نُفض عنه غبار الشتات، وبرهاناً بليغاً على أن منصات الذهب لا تُنال بالصُدف، وإنما تُشاد صروحها على ركائز متينة من الهيبة، والنظام، والعدل الفسيح.
حين تاهت بوصلتنا لسنوات في دهاليز العشوائية، كنا ندرك بمرارة أن العلة لم تكن يوماً في شُحّ المواهب أو عقم الأرحام الكروية، بل في غياب الدستور الصارم الذي يهذب الجموح ويقود الخُطى. واليوم، ونحن نتشح برداء الفخر، يحق لنا أن نقف وقفة تأمل واعية لنفكك شفرة هذه العودة المظفرة، التي نبتت من تربة ثلاثة أسس جوهرية، أعادت صياغة هويتنا الكروية، وصححت مساراً انحرف طويلاً عن الجادة.
أولاً: ميثاق الانضباط.. حين تحولت اللائحة القانونية إلى ثقافة حياة
لقد آمنا حيناً من الدهر أن النجم كائن معفى من قيود الأرض، يلهو كما يشاء لينتج لنا سحراً في الميدان متى أراد. غير أن هذه البطولة جاءت لتهدم هذا الصنم الإداري البالي؛ فلم يعد الانضباط مجرد قرارات شفهية أو عقوبات ارتجالية، بل صار تفعيلاً صارماً لـ “لائحة المنتخبات الوطنية الداخلية” التي صاغت حقوق اللاعب وواجباته بدقة وعين ميكروسكوبية.
من إدارة تفاصيل اليوم الصغير، والالتزام الصارم داخل المعسكر، والتحكم في المشتتات الذهنية، نُسجت خيوط هيبة البطل. هذا الالتزام السلوكي تُرجم تلقائياً إلى “لوحة تكتيكية مدهشة” على أرضية الملعب؛ فرأينا لاعباً يعشق التمركز، ويحترم المساحة، ويذود عن شعار فريقه بروح الجندي المنضبط، لتنتهي عهود الفوضى الفنية برادع القانون والالتزام.
ثانياً: عدالة الاختيار.. معايير ثابتة تسقط النجومية الزائفة
أكبر الجنايات التي أخرت مسيرتنا الكروية كانت “المحاباة”؛ تلك التي تمنح الصدارة للاسم الرنان، وتدفع بالجهد المخلص إلى دكة النسيان. ولكن في هذا العهد الجديد، وُضع ميزان عدالة لا يميل؛ حيث أسقطت الإدارة الفنية الحالية حصانة “الأسماء الاستعراضية”، وخرت النفوذات الجماهيرية للأندية أمام جلال العطاء والجهد المبذول في التدريبات اليومية.
حين أيقن اللاعب البديل أن عرق جبينه في التمارين هو تذكرته الوحيدة للمشاركة، واطمأن النجم الأساسي إلى أن مكانه مصون بجدارته لا ببريق اسمه، تطهرت البيئة من شوائب الضغينة. سادت منافسة شريفة ومقدسة، وصار الكل يتسابق لخدمة المجموع، لأنهم أدركوا أن عين القانون الفني ترى بقلب العادل، لا بآراء المنصات والإعلام.
ثالثاً: المنظومة الكاملة.. وداعاً لعقدة “المخلص” وولادة الآلة الجماعية
لطالما عشقت جماهيرنا “البطل الشعبي”، ذلك اللاعب الفرد الذي ننتظر منه لمحة سحرية يختزل بها عجز فريق كامل لينقذنا في الدقائق الأخيرة. لقد كبلتنا “عقدة المُنقذ” ردحاً من الزمن وجعلتنا رهائن لأمزجة الأفراد وإصاباتهم. أما في هذه البطولة، فقد شهدنا ولادة “الآلة الفنية” المتكاملة، حيث المنظومة هي النجم الأوحد.
لقد تحول المنتخب إلى كتلة واحدة نابضة؛ يتحركون كالبنيان المرصوص في التغطية والافتكاك، وينتشرون كأمواج البحر في التحول والهجوم. في هذا الفكر الراقي، غاب مفهوم “اللاعب الذي لا يُعوَّض”؛ فإذا غاب اسم تلو آخر لعارض صحي أو إيقاف قانوني، تحرك الترس البديل بذات الكفاءة والروح، لأن النظام المكتمل لا يتأثر برحيل الأفراد، ولأن جودة العطاء أصبحت صناعة جماعية بامتياز.
خاتمة الذهب:
إن هذا الكأس الغالي ليس مجرد قطعة معدنية تضاف إلى خزائننا، بل هو “وثيقة إدارية” تثبت أن عودتنا للمنصات كانت انتصاراً للمبادئ قبل المباريات. إن هذا الدستور الثلاثي (الانضباط، والعدل، والمنظومة) هو الإرث الحقيقي الذي يجب ألا نفرط فيه؛ فالمواهب تولد وتموت، أما المنظومة العادلة والصارمة فهي التي تضمن بقاء البطل بطلاً.
والسلام ؛؛؛
للتواصل : [email protected]



