الاخبار الفنية والثقافية

(( أنـت مختلف )) حين يتحول الفن من مشهد يُرى إلى أثر يُشعر به

عنوان – جدة – تركي الحاتم :

في مساحة لم يكن الاختلاف فيها مجرد عنوان عابر بل لغة فنية وإنسانية متكاملة أقيم معرض (( أنت مختلف )) في نسخته الثانية للفنون التشكيلية والبصرية في المركز السعودي للفنون الجميلة بجدة (( جاليري القصبي )) واستمر على مدى ثلاثة أيام خلال الفترة من 1 إلى 3 أكتوبر 2026م مقدمًا تجربة فنية تجاوزت حدود العرض التقليدي لتفتح أمام الزائر فضاء نابضًا بالإبداع والإنسان والطاقة الإيجابية

وافتتح المعرض الرئيس التنفيذي الأستاذ علي القحطاني بحضور نخبة من سفراء الفن والإعلاميين ومتذوقي الفنون والمهتمين بالمشهد الثقافي والبصري وسط تنوع لافت في التجارب المشاركة التي جمعت بين الفنانين التشكيليين والمصورين المبدعين والنحاتين لتلتقي مدارس فنية متعددة تحت سقف واحد ولكل تجربة منها لغتها وأدواتها ورؤيتها وبصمتها الخاصة

ولم يكن (( أنت مختلف )) معرضًا تُعلق فيه الأعمال على الجدران بقدر ما كان مساحة تتحرك فيها الأفكار والمشاعر وتتقاطع فيها التجارب الإنسانية فبين لوحة وصورة ومنحوتة كانت هناك حكايات ورسائل تتجاوز جمال الشكل إلى عمق المعنى حتى بدا المعرض في بعض زواياه وكأنه حوار صامت بين العمل الفني والمتلقي يمنح كل زائر فرصة لأن يرى في العمل شيئًا من ذاته أو ذاكرته أو إحساسه

ومن أبرز الأبعاد التي منحها المعرض مساحة خاصة حضور تجارب فنية عُرفت باهتمامها بمفهوم (( العلاج بالفن )) حيث حملت بعض الأعمال أبعادًا نفسية وإنسانية تناولت مشاعر وتجارب وحالات قد يمر بها الإنسان في مراحل مختلفة من حياته وجعلت من اللون والخط والرمز والتكوين لغة بديلة تستطيع أن تقول ما قد تعجز الكلمات أحيانًا عن الإفصاح عنه

وهنا تجاوز الفن وظيفته الجمالية ليقترب أكثر من الداخل الإنساني فلم تعد اللوحة مجرد مساحة للون ولم تعد الصورة مجرد لحظة محفوظة ولم تعد المنحوتة مجرد تشكيل بصري بل أصبحت بعض الأعمال أبوابًا مفتوحة على الخوف والقلق والألم والاضطراب والبحث عن الطمأنينة والتوازن والتعافي

وقد يقف الإنسان أمام عمل فني لا يعرف صاحبه ولا حكايته ثم يكتشف فجأة أن شيئًا من حكايته الشخصية يسكن داخله وأن لونًا ما أعاد إليه ذكرى أو أن رمزًا أيقظ شعورًا ظل طويلًا بلا اسم أو أن تفاصيل صغيرة لامست وجعًا أخفاه عن الآخرين وهنا تتجلى واحدة من أعظم قدرات الفن حين يصل إلى مناطق عميقة في النفس قد لا تستطيع اللغة الوصول إليها

كما حمل المعرض طاقة إيجابية واضحة صنعتها حالة التنوع بين المشاركين والتفاعل الكبير بين الحضور وتقاطع التجارب بين الفن التشكيلي والتصوير والنحت والفنون البصرية فلم يكن الزائر ينتقل من عمل إلى آخر بقدر ما كان ينتقل من إحساس إلى إحساس ومن حكاية إلى أخرى ومن رؤية فنية إلى عالم مختلف تمامًا

وجسدت الأعمال المشاركة المعنى الحقيقي لاسم المعرض (( أنت مختلف )) فالاختلاف هنا لم يكن خروجًا عن المألوف لمجرد الاختلاف وإنما كان احتفاء بخصوصية الإنسان والفنان معًا وإيمانًا بأن لكل تجربة صوتها ولكل فنان بصمته ولكل إنسان طريقته المختلفة في رؤية الحياة والتعبير عنها والتعامل مع تفاصيلها ومواجهة ما يمر به

وفي زمن تتسارع فيه التفاصيل وتزدحم الحياة بالضغوط تأتي مثل هذه التجارب الفنية لتعيد التذكير بأن الفن لا تقتصر مهمته على تجميل المساحات أو إمتاع العين بل يستطيع أن يفتح بابًا للتأمل وأن يمنح الإنسان مساحة لمواجهة مشاعره وفهمها والتعبير عنها وأن يكون في بعض التجارب أداة مساندة في رحلة التعافي النفسي حين يُمارس ضمن سياقه المتخصص

ثلاثة أيام من الفن لم تكن مجرد موعد عابر على أجندة المعارض بل كانت تجربة تؤكد أن قيمة الإبداع الحقيقي لا تقاس بعدد اللوحات والصور والمنحوتات التي يضمها المكان وإنما بمقدار الأثر الذي يستطيع العمل الفني أن يتركه في الإنسان بعد أن يغادر المكان

وهذا تحديدًا ما حمله معرض (( أنت مختلف )) في نسخته الثانية حيث دخل إليه الزائر ليرى الفن وربما خرج منه وهو يرى شيئًا مختلفًا في نفسه

هشام حسن نتو

مدير التحرير والعلاقات العامة بالصحيفة إعلامي ومحرر صحفي سعودي، يمتلك خبرة في إعداد الأخبار والتقارير الصحفية والمقالات، والتغطيات الإعلامية الميدانية للمناسبات الاجتماعية والفعاليات الرياضية والثقافية والمجتمعية في مكة المكرمة وجدة. ٠ يهتم بتطوير المحتوى الصحفي، وتعزيز جودة الصياغة والتحرير، وبناء العلاقات الإعلامية، وإبراز المبادرات والفعاليات المجتمعية من خلال تغطيات مهنية تراعي الدقة والمصداقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى