حكايةُ التعليمِ النظاميِّ في قريةِ لتين وما جاورَها، يومَ كانتِ البداياتُ متواضعةً في مبانيها، عظيمةً في أثرِها
هنا تبدأُ الحكايةُ…

عنوان – عسير – مفرح محمد آل بواح :
ففي عامِ ١٣٩٥هـ تأسستْ مدرسةُ الصفا، وكانتْ أولى خطواتِها في بيوتِ الشيخِ ابن شرفي في الطُّوَّالِ، جنوبيَّ قريةِ مكداس، حيثُ كان تسجيلُ الطلابِ وبداياتُ التعليمِ. ثم انتقلتِ المدرسةُ إلى قريةِ القُرانِ، تلكَ القريةِ المُطِلَّةِ على لتين، وظلتْ هناكَ حتى نحوَ عامِ ١٣٩٨هـ.
ومن القُرانِ انتقلتِ المدرسةُ إلى المبنى القديمِ للشيخِ مفرح معوص، رحمهُ اللهُ، في الوادي؛ فصارَ ذلكَ المكانُ شاهدًا على مرحلةٍ جديدةٍ من مسيرتِها، وعلى أجيالٍ عبرتْ أبوابَه تحملُ أقلامَها ودفاترَها، وتخطُّ أولى خطواتِها في طريقِ العلمِ.
وتولى إدارةَ المدرسةِ في بداياتِها معلّمٌ غيرُ سعوديٍّ، ثم تولى إدارتَها الشيخُ مفرح معوص، رحمهُ اللهُ، عامَ ١٣٩٧هـ، فاقترنَ اسمُه بمرحلةٍ مبكرةٍ من تاريخِ التعليمِ في هذه الديارِ.
ومنذُ تلكَ الأيامِ، لم تكنْ مدرسةُ الصفا مجردَ مبنًى ينتقلُ من مكانٍ إلى آخرَ، بل كانتْ ذاكرةَ جيلٍ، وحكايةَ قريةٍ آمنتْ بالعلمِ، واحتضنَ أهلُها المدرسةَ قبلَ أن تستقرَّ لها الجدرانُ.
تبدلتِ المباني، وتعاقبتِ الأجيالُ، وغابَ كثيرٌ من أهلِ تلكَ الأيامِ، لكنَّ أثرَهم بقيَ. فما زالتِ الطُّوَّالُ، والقُرانُ، والوادي أسماءً توقظُ في ذاكرةِ أهلِ لتين زمنًا كانتْ فيه الطريقُ إلى المدرسةِ جزءًا من الحكايةِ، وكانَ للمعلمِ قدرُه، وللكتابِ هيبتُه، ولصباحاتِ الدراسةِ طعمٌ لا تنساهُ الذاكرةُ.
واستمرتْ مدرسةُ الصفا تؤدي رسالتَها عبرَ العقودِ، حتى دخلتْ مرحلةً جديدةً من تاريخِها عامَ ١٤٤٣هـ، حينَ تحولتْ إلى مدرسةٍ للطفولةِ المبكرةِ.
خمسةُ عقودٍ تقريبًا من الحكاياتِ والوجوهِ والدفاترِ… من بيوتٍ بسيطةٍ بدأتْ فيها المسيرةُ، إلى أجيالٍ توارثتِ العلمَ جيلًا بعدَ جيلٍ.
وفي اليومِ الوطنيِّ، حينَ نستعيدُ سيرةَ وطنٍ توحَّدَ على الإيمانِ والبناءِ، تبدو مثلُ هذه الحكاياتِ جزءًا من صورتِه الكبرى؛ فنهضةُ الوطنِ لم تُصنعْ في المدنِ وحدَها، بل امتدَّتْ إلى القرى، ووصلَ نورُ التعليمِ إلى بيوتِها وأوديتِها، حتى غدا العلمُ أحدَ الشواهدِ الحيَّةِ على ما صنعَه هذا الوطنُ لأبنائِه جيلاً بعدَ جيلٍ.
ذلكَ هو عبقُ لتين؛ أرضٌ قديمةٌ في أصالتِها، عميقةٌ في ذاكرتِها، ظلَّ العلمُ فيها غرسًا يتعاهدُه الآباءُ، ثم يسلِّمُه الأبناءُ لمن بعدَهم.
رحمَ اللهُ الشيخَ مفرح معوص، ورحمَ من مضى من معلّمي المدرسةِ ورجالِ تلكَ البداياتِ، وحفظَ من بقيَ منهم شاهدًا على زمنٍ جميلٍ، وأبقى لتين عامرةً بالعلمِ وأهلِه، وحفظَ وطنَنا عزيزًا شامخًا، تتعاقبُ فيه الأجيالُ على البناءِ والعلمِ والوفاءِ.
للتواصل : [email protected]



