كتاب الرأي

ما لا تراه الكاميرا

     ✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب رأي :

كانت الابتسامة فيما مضى أبسط من أن تحتاج إلى تفسير.
نبتسم لأننا سعداء، أو لأن وجهاً نحبه مر أمامنا، أو لأن كلمة جميلة لامست شيئاً في داخلنا.
لكن حتى الابتسامات لم تعد جميعها بريئة.
فهناك ابتسامة للرضا، وأخرى للمجاملة، وثالثة تخفي ضيقاً، وابتسامة صفراء نعرفها جيداً، وأخرى ماكرة لا تكشف ما يختبئ خلفها.
وهناك ابتسامة من نوع آخر..
تبدأ حين تفتح الكاميرا، وتنتهي حين تغلق.
وربما لم تعد القضية في الابتسامة نفسها، بقدر ما أصبحت في ذلك الاحتياج المتزايد لأن يرانا الآخرون.
ولا مشكلة في أن يظهر الإنسان، أو يصنع لنفسه حضورا، أو يبحث عن النجاح والشهرة.
لكن السؤال:
كم نحن مستعدون أن ندفع مقابل أن يرانا الآخرون؟
فالأمر غالباً لا يبدأ بتنازل كبير.
يبدأ بابتسامة لا نشعر بها، ومجاملة لا نؤمن بها، وربما موقف نقبله أمام الكاميرا، بينما كانت كرامتنا سترفضه لو لم يكن هناك أحد يشاهد.
ثم تكبر المسألة شيئاً فشيئاً..
حتى يصبح الإنسان مشغولاً بصناعة نسخة منه تصلح للعرض، أكثر من انشغاله بالنسخة الحقيقية التي يعيش معها حين يغلق هاتفه.
كان الإنسان يبتسم لأنه سعيد..
أما اليوم، فقد أصبح البعض سعيداً لأن الآخرين رأوه يبتسم.
وبعض الابتسامات أصبحت تعرف جيداً متى تبدأ ومتى تنتهي، تبدأ مع الإعلان، ويزداد معها الإعجاب والثناء، وكأن ما أمام الكاميرا لا عيب فيه ولا نقص.
ولا بأس بالإعلان، فهو عمل ومصدر رزق، لكن المشكلة حين لا يعود المتابع قادراً على التمييز بين رأي حقيقي، وكلمة قيلت لأن خلفها مقابلاً.
فالمال قد يشتري مساحة إعلانية..
لكنه لا ينبغي أن يشتري صدق صاحبها.
لقد منحتنا وسائل التواصل فرصاً جميلة للحضور والمعرفة والتأثير، لكنها وضعتنا أيضاً أمام سؤال:
هل نظهر لأن لدينا شيئاً نقدمه؟
أم أصبحنا نفعل الأشياء فقط لكي نجد ما نظهره؟
فالشهرة حين تكون نتيجة لشيء نقدمه، قد تكون ثمرة جميلة.
لكنها حين تصبح حاجة لا نشبع منها، تبدأ التنازلات.
اليوم صورة..
وغداً موقف..
وبعده خصوصية..
ثم ربما شيء من الهيبة والكرامة.
ولست ضد الشهرة، ولا ضد الظهور، ولا أرى أن كل ابتسامة أمام الكاميرا مصطنعة.
لكن ما يستحق أن نقف عنده، هو أن يتنازل الإنسان عن نفسه حتى يحافظ على صورته أمام الآخرين.
أن يجامل من لا يريد، ويقبل ما كان يرفضه، ويكشف ما كان يستره، فقط لأن الغياب عن أعين الناس أصبح عنده أشد قسوة من الغياب عن نفسه.
ربما نحتاج بين حين وآخر أن نغلق الكاميرا.
لا لنختفي عن الناس..
بل لنتأكد أننا ما زلنا موجودين بعيد عنهم.
أن نبتسم دون أن يرانا أحد، وأن نفرح دون أن نخبر أحداً، وأن نعيش لحظة كاملة لا يعرف عنها المتابعون شيئاً.
فالكاميرا قد ترى وجهك، وابتسامتك، ومكانك، وكل الذين يقفون حولك..
لكنها لا ترى ما دفعته لتبقى في الصورة.
ولعل أقسى ما قد يصل إليه الإنسان، أن يقضي عمره يبحث عن عدسة تراه..
ثم يكتشف بعد أن تنطفئ الكاميرا،
أنه أصبح معروفاً لدى الجميع، وغريباً عن نفسه

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى