من يغادر غاضبًا يعود غالبًا

✍️ العميد.م. ندى الخمعلي – كاتب سعودي :
في حياتنا مواقف كثيرة نغادرها ونحن غاضبون، نغلق الأبواب بقوة، ونقول في لحظة انفعال: لن أعود مرة أخرى. لكن الغضب، مهما كان شديدًا، غالبًا ما يكون شعورًا عابرًا، تهدأ حدته مع مرور الوقت، وتعود معه الرغبة في الحوار والعتاب وإصلاح ما انكسر. ولهذا قيل: «من يغادر غاضبًا سيعود غالبًا».
الغاضب يغادر وفي داخله كلام كثير لم يقله، وأسئلة لم تجد إجابة، وذكريات جميلة تنازع لحظة الغضب. وبعد أن تهدأ النفس، يبدأ العقل في مراجعة الموقف، وقد يكتشف الإنسان أن ما أغضبه لم يكن يستحق القطيعة، وأن بعض الكلمات قيلت في لحظة انفعال لا تعبر بالضرورة عن حقيقة المشاعر.
أما من يغادر مبتسمًا، فالأمر مختلف. فالابتسامة عند الرحيل قد تكون أحيانًا إعلانًا عن انتهاء مرحلة، وقناعة بأن الطريق لم يعد كما كان. قد لا يحمل صاحبها غضبًا ولا رغبة في الانتقام، لكنه يكون قد اتخذ قراره بهدوء، وبعد تفكير طويل، ولذلك قد يكون رجوعه أصعب من رجوع الغاضب.
هناك فرق كبير بين شخص يغادر لأنه تألم، وشخص يغادر لأنه اقتنع. الأول قد يعود عندما يهدأ ألمه، أما الثاني فقد لا يعود لأنه لم يعد ينتظر شيئًا من المكان أو العلاقة أو الأشخاص.
ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن نفعله في علاقاتنا الإنسانية ألا ندفع من نحب إلى الرحيل وهو يحمل في قلبه شعورًا بالخذلان. فالاعتذار في وقته، والكلمة الطيبة، والاحتواء، واحترام المشاعر، قد تمنع نهاية لم تكن ضرورية.
ومع ذلك، ليس كل غاضب يعود، وليس كل مبتسم يغادر إلى الأبد؛ فلكل إنسان ظروفه وتجربته وقراره. لكن العبارة تحمل معنى إنسانيًا عميقًا: الغضب قد يكون لحظة، أما القناعة فقد تكون نهاية.
فإذا رأيت من تحب يغادر غاضبًا، فاترك له مساحة ليهدأ، ثم افتح باب الحوار. أما إذا غادر مبتسمًا بعد أن استنفد كل محاولاته، فربما تكون ابتسامته هي آخر ما تبقى له من كرامة وهدوء.
بعض الرحيل رسالة، وبعضه قرار، وبعضه بداية جديدة. والإنسان الحكيم هو من يعرف متى يتمسك، ومتى يعتذر، ومتى يترك الباب مفتوحًا، ومتى يحترم قرار من اختار الرحيل.
للتواصل : [email protected]



