عندما تتحدث القهوة السعودية

✍️ مرفت طيب – كاتبة سعودية :
عرفتكم قبل أن أعرف نفسي في فناجيلكم.
دخلت بيوتكم وأنا أحمل رائحة الهيل، وجلست في مجالسكم أستمع أكثر مما أتكلم.
شهدت أول لقاء، وأول ضيف، وأول سالفة امتدت حتى آخر الليل.
أنا التي لا تُقدَّم وحدها.
يأتي معي الترحاب، وتسبقني كلمة: حيّاك الله ، وياهلا ومرحبا ، واسفرت وأنورت وأستهلت وأمطرت ، وأنستونا وعلى بيتنا نور وعبارات ترحيبية عديدة تدل على حسن الاستقبال والضيافة ويصحبها وجه بشوش وابتسامة صادقة صافية .
أنا فنجال صغير، لكني أحمل أشياء أكبر مني بكثير.
أحمل كرمًا تعلّمته منكم، وذوقًا توارثتموه، وأخلاق حميده ونفوس طيبة وأنيقة وذكريات التصقت برائحتي حتى صرت جزءًا منها.
رأيتكم وأنتم تصبّونني للضيف قبل أنفسكم، وكأن أول رشفة ليست له وحده، بل رسالة تقول -أنت بين أهلك – .
وعرفت أن للفنجان عندكم لغة.
فنجان يقول: أهلاً.
وفنجان يقول: تفضل.
وفنجان يقول: خذ راحتك… السالفة توها تبدأ.
وأحيانًا، لا أحتاج أن أُصب.
يكفي أن تفوح رائحتي في المكان، فتبدأ الذاكرة بالحديث.
تتذكّرون بيت الجد، ومجلس الأب، وصوت الدلّة، ويدًا كانت تصبّ الفنجان بحب، وشخصًا غاب وبقيت رائحته في الذاكرة.
أنا القهوة السعودية.
كبرت معكم، وتغيّرت تفاصيل كثيرة حولي، لكن بقيت كما أنا في أهم شيء:
أجمع الناس ، والله يديم جمعتنا على الخير والبركة والمحبة والسعادة والرضا.
ولمحبيّ، لدي همسة صغيرة:
لا تستعجلوا شرب فنجان القهوة … فبعض الأشياء الجميلة لا تُقاس بما تمنحكم في أول رشفة، بل بما تتركه فيكم بعد أن ينتهي الفنجان.
خذوا منّي هدوئي، ومن الهيل طيب أثره، ومن النار صبرها، ومن الدلّة كرمها.
واجلسوا مع من تحبون قليلًا أطول…
فربما كانت أجمل الذكريات التي نصنعها،
هي تلك التي لم نخطط لها،
جلسنا فقط…
وصُبّت القهوة … فربّ فنجالٍ عابر، ترك في القلب عمرًا من الأنس والفرحة .


