عيوب الناس تُطوى ولا تُروى

✍️ العميد.م. ندى الخمعلي – كاتب رأي :
في حياة الناس مواقف كثيرة، وقد نرى من الآخرين ما لا يعجبنا، ونكتشف عيوبًا أو أخطاءً ربما لم يطلع عليها غيرنا. وهنا تظهر أخلاق الإنسان الحقيقية: هل يجعل من عيوب الآخرين حديثًا للمجالس، أم يسترها ويطويها كما تُطوى الصفحات التي لا يرغب أحد في قراءتها؟
إن عيوب الناس أمانة، ومن الحكمة ألا تتحول زلاتهم إلى حكايات تتناقلها الألسن، فليس كل ما نعرفه يُقال، وليس كل ما يُقال يُنقل. وقد جاء القرآن الكريم محذرًا من الغيبة والتجسس، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12].
والغيبة ليست مجرد كلمات عابرة؛ فقد عرّفها النبي ﷺ تعريفًا واضحًا حين قال: «ذكرك أخاك بما يكره»، قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» رواه مسلم.
ولهذا فإن ستر عيوب الناس من مكارم الأخلاق، لا سيما عندما لا تكون هناك مصلحة معتبرة في كشفها. يقول النبي ﷺ: «ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة» رواه مسلم.
والستر لا يعني تبرير الخطأ أو السكوت عن ظلمٍ يضر الآخرين، فهناك مواقف يكون فيها الإبلاغ والنصح والتحذير واجبًا، لكن الفرق كبير بين معالجة الخطأ بحكمة وبين تحويله إلى مادة للتشهير والانتقاص.
كما أن الإنسان الذي يتتبع عيوب الآخرين قد ينسى عيوبه، بينما يدعونا القرآن إلى الانشغال بإصلاح النفس، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ [الحجرات: 11].
ومن أجمل ما يربي عليه الإسلام أن الإنسان لا يفرح بسقوط غيره، ولا يجعل من زلة أخيه فرصة للظهور أو الانتقام. فالناس جميعًا معرضون للخطأ، والكمال لله وحده. وقد قال النبي ﷺ: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» رواه الترمذي وابن ماجه.
إن عبارة «عيوب الناس تُطوى ولا تُروى» ليست مجرد حكمة جميلة، بل منهج في التعامل مع البشر؛ فكم من إنسان ستر عيبًا فحفظ كرامة، وكم من إنسان نقل عيبًا فأفسد علاقة، وكم من كلمة قيلت في مجلس بقي أثرها سنوات طويلة.
فلنحفظ للناس سترهم، ولنتذكر أن من يستر اليوم قد يُستر غدًا، ومن يحفظ كرامة الآخرين يحفظ الله كرامته. ولنجعل ألسنتنا جسورًا للإصلاح لا أدوات للهدم، وأن تكون المجالس أماكن للخير لا ساحات لكشف الأسرار وتتبع العثرات.
فالعيب إذا عولج بالنصيحة قد ينتهي، أما إذا نُشر فقد يتحول إلى وصمة، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].
وفي زمن أصبحت فيه الكلمة تنتشر في لحظات عبر وسائل التواصل، أصبح ستر الناس أكثر أهمية من أي وقت مضى. فقبل أن ننقل قصة عن شخص، أو نكشف سرًا، أو نتحدث عن عيب، لنسأل أنفسنا: هل نرضى أن تُفعل بنا الشيء نفسه؟
إن أخلاق الكبار أن يعرف الإنسان الكثير، لكنه لا يقول إلا ما ينفع؛ وأن يرى الخطأ، لكنه يبحث عن طريق إصلاحه؛ وأن يستطيع كشف العيب، لكنه يختار الستر.
عيوب الناس تُطوى ولا تُروى، لأن كرامة الإنسان ليست قصة نتسلى بها، والستر خُلق، ومن أخلاقنا أن نترك للناس بابًا يعودون منه إلى الصواب دون أن نكسر خلفهم أبواب الكرامة.
للتواصل : [email protected]



