
✍️هشام حسن نتو – كاتب سعودي :
لا تُقاس كفاءة الموظف العام بقدرته على إنجاز المعاملة فحسب، بل بالطريقة التي ينجزها بها؛ فبين السلطة والمسؤولية، وبين المعلومة والأمانة، وبين المصلحة العامة والمصلحة الشخصية، تتشكل أخلاقيات الوظيفة العامة التي تحدد صورة الموظف وثقة المجتمع في الجهاز الحكومي.
ومن هذا المنطلق جاءت مدونة قواعد السلوك الوظيفي وأخلاقيات الوظيفة العامة لتضع إطارًا عامًا للقيم والمعايير التي ينبغي أن تحكم أداء الموظف العام، بهدف الارتقاء بجودة الخدمة العامة وتطوير الأداء وخدمة المواطنين. وتؤكد مقدمة المدونة أن الالتزام بأحكامها جزء من مقتضيات العمل، وأن مخالفتها قد يترتب عليها اتخاذ الإجراءات التأديبية والجزائية وفق الأنظمة ذات العلاقة.
من الأخلاق إلى المسؤولية
تنطلق المدونة من أساس واضح؛ إذ تنص على أن الآداب والأخلاق الإسلامية تمثل المنبع الأساسي لسلوك الموظف العام. ولا تقف أهدافها عند ضبط التصرفات، بل تتجه إلى تنمية روح المسؤولية، ونشر القيم والمبادئ الأخلاقية المهنية، وتعزيز ثقة المواطن بالخدمات التي تقدمها الدولة، ومكافحة الفساد، وتعزيز العلاقة المهنية والأخلاقية بين الموظف ورؤسائه ومرؤوسيه وزملائه ومتلقي الخدمة.
وتقدم المدونة تعريفًا مهمًا للنزاهة باعتبارها سلوكًا يقوم على الموضوعية والحياد والعدالة والبعد عن الشبهات والالتزام بالأمانة، مع عدم إساءة استخدام السلطة أو المنصب لتحقيق منفعة شخصية. كما تعرف الشفافية بإتاحة المعلومات والإجراءات المعمول بها، وتضع مفهومًا واضحًا لتعارض المصالح عندما تؤثر مصلحة خاصة، مباشرة أو غير مباشرة، في موضوعية الموظف أو حياده عند اتخاذ القرار أو إبداء الرأي.
الموظف أمام الجمهور
من أبرز ما تؤكد عليه المدونة أن المواطن أو المستفيد ليس مجرد صاحب معاملة؛ بل صاحب حق في الحصول على خدمة تتسم بالاحترام والحياد والسرعة والموضوعية.
ولهذا ألزمت الموظف بالتعامل مع الجمهور باحترام ولباقة وتجرد دون تمييز، والإجابة عن الاستفسارات وإنجاز المعاملات بدقة وسرعة، والعناية في التعامل مع كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة والنساء، وحماية الوثائق والمعلومات الشخصية بسرية، والامتناع عن كل تصرف يمكن أن يؤثر سلبًا في ثقة الجمهور بالوظيفة العامة.
وهنا تظهر إحدى أهم رسائل المدونة: ثقة المواطن بالمؤسسة الحكومية تبدأ، في كثير من الأحيان، من سلوك الموظف الذي يقابله.
الوظيفة ليست امتيازًا شخصيًا
وتضع المدونة حدودًا واضحة بين ممارسة الصلاحية واستغلالها؛ فتحظر إساءة استعمال السلطة الوظيفية واستغلال النفوذ والرشوة والتزوير والمحسوبية والواسطة عندما تؤثر في أداء مهمات العمل، إلى جانب مجموعة أخرى من المحظورات الوظيفية.
كما تمنع إفشاء المعلومات والوثائق ذات الطبيعة السرية أو الخاصة التي يحصل عليها الموظف بسبب وظيفته، ويستمر واجب المحافظة على سريتها حتى بعد انتهاء خدمته، ما لم يسمح النظام بالكشف عنها. وتتناول كذلك الإدلاء بالمعلومات أو التصريحات بشأن موضوعات لا تزال قيد الدراسة أو التحقيق أو المداولة دون الموافقة الخطية المطلوبة.
المال العام.. أمانة لا مساحة رمادية فيها
وتتشدد المدونة في التعامل مع المال والممتلكات العامة؛ فتحظر اختلاس المال العام أو تبديده أو التفريط فيه، واستغلال مصالح الدولة للمصلحة الشخصية، والاحتفاظ بممتلكات جهة العمل بعد انتهاء الغرض منها، أو استخدام ممتلكات الدولة للمنفعة الشخصية أو لمنفعة أطراف أخرى خلاف ما يسمح به النظام.
ويمتد الأمر إلى الهدايا والامتيازات، فتحظر قبول الهدايا أو الخدمات أو المزايا التي يمكن أن تؤثر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في نزاهة الموظف وقراراته، كما تحظر الحصول على تسهيلات أو خصومات خاصة من الموردين الذين تربطهم معاملات رسمية بجهة الموظف.
تعارض المصالح.. الإفصاح قبل القرار
وتنتقل المدونة من منع الفساد بعد وقوعه إلى الوقاية منه قبل حدوثه؛ إذ تلزم الموظف بالإفصاح خطيًا عن حالة تعارض المصالح القائمة أو المحتملة قبل اتخاذ القرار أو إبداء الرأي في الواقعة محل التعارض.
وتشير، ضمن أمثلتها، إلى وجود مصلحة بين الموظف والجهة المتعاقدة عندما يكون له دور في ذلك التعاقد، وكذلك وجود صلة قرابة حتى الدرجة الرابعة مع مرشح لوظيفة عندما يعتمد التوظيف على قرار الموظف أو رأيه.
وفي مكافحة الفساد، لا تجعل المدونة الموظف متلقيًا سلبيًا للمخالفة؛ بل تطالبه بإبلاغ رئيسه المباشر عن التجاوزات التي يطلع عليها خلال عمله، وإبلاغ الجهات المختصة عن الفساد الذي يعلم به أثناء وظيفته، والتعاون مع جهات التحقيق، والإبلاغ فورًا عند عرض رشوة عليه.
الأخلاق الوظيفية تدخل العالم الرقمي
ومن الجوانب اللافتة تخصيص باب مستقل للمسؤولية في استخدام التقنية، بما يشمل أجهزة العمل والإنترنت والبريد الإلكتروني.
فالمدونة تلزم الموظف بالمحافظة على الأجهزة وكلمات المرور والمعلومات السرية، وعدم استخدام الأجهزة إلا في الأغراض المرتبطة بالعمل، كما تنظم استخدام الإنترنت وتحظر محاولات الدخول غير النظامي إلى الشبكات، وتؤكد الحذر من الرسائل والمرفقات مجهولة المصدر، والالتزام بحقوق الملكية الفكرية للملفات والبرامج.
وهذه المواد تكشف أن مفهوم الأمانة الوظيفية لا ينتهي عند المكتب والورق؛ فكلمة المرور والملف الإلكتروني والبريد الرسمي والبيانات أصبحت جميعها جزءًا من المسؤولية المهنية.
الرئيس والزميل والمرؤوس
ولم تحصر المدونة أخلاقيات العمل في علاقة الموظف بالمراجع، بل نظمت البيئة الداخلية أيضًا. فهي تدعو إلى احترام الرؤساء وتقديم الرأي والمشورة لهم بموضوعية وصدق، والتعامل مع الزملاء باحترام والحفاظ على خصوصياتهم والتعاون معهم مهنيًا.
أما المسؤول تجاه مرؤوسيه، فتطالبه المدونة بأن يكون قدوة في الالتزام، وأن يعمل على تنمية قدراتهم وتحفيزهم وتدريبهم ونقل الخبرات إليهم، وأن يقوّم أداءهم بموضوعية وتجرد، ويحترم حقوقهم دون محاباة أو تمييز.
وهنا تتحول الإدارة من مجرد إصدار التعليمات إلى مسؤولية في بناء الإنسان ونقل المعرفة وتحقيق العدالة داخل بيئة العمل.
والمؤسسة أيضًا عليها واجبات
ومن المهم أن المدونة لا تضع المسؤولية كلها على الموظف؛ ففي بابها السادس تحدد التزامات للجهة الحكومية نفسها، ومنها تعريف الموظفين بالمدونة، وتوفير بيئة عمل آمنة وصحية، وتشجيع المبادرة والابتكار وإتاحة المجال للمقترحات التي تحسن الخدمات، وتطبيق الأنظمة واللوائح والقرارات بعدالة وإنصاف دون تمييز.
كما تلزم الموظف بعد تعيينه بالاطلاع على الأنظمة المتعلقة بعمله وعلى المدونة، فيما تُسند إلى إدارة شؤون الموظفين أو من في حكمها مسؤولية نشر الوعي بثقافة ومبادئ السلوك الوظيفي وأخلاقيات الوظيفة العامة.
من وثيقة تُقرأ إلى ثقافة تُمارس
قراءة المدونة كاملة تكشف أن جوهرها يمكن اختصاره في معادلة بسيطة: الوظيفة العامة مسؤولية قبل أن تكون صلاحية، وخدمة قبل أن تكون سلطة، وأمانة قبل أن تكون امتيازًا.
فالموظف النزيه لا يحتاج إلى وجود الرقيب في كل خطوة؛ لأن الرقابة الأخلاقية تبدأ من داخله، لكن المؤسسة الناجحة في المقابل لا تكتفي بالمطالبة بالنزاهة، بل تبني بيئة تساعد عليها، وتوضح الصلاحيات، وتنشر المعرفة، وتطبق الأنظمة بعدالة.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية لمدونة السلوك الوظيفي لا تتحقق بحفظ موادها أو الاحتفاظ بنسخة منها، وإنما عندما تتحول مبادئ النزاهة والشفافية والحياد وحماية المال العام واحترام المستفيد وتجنب تعارض المصالح إلى ممارسة يومية يلمسها المواطن في كل معاملة.
وعندها فقط تنتقل أخلاقيات الوظيفة من صفحات مكتوبة إلى ثقافة مؤسسية، وثقة عامة، ومسؤولية يعيشها الموظف في قراره وسلوكه قبل أن يطالبه بها النظام.
للتواصل : [email protected]



