الأرواح أيضًا تمرض.. فلماذا نخجل من طلب المساعدة

عنوان – الرياض – ريم منصور سلطان :
في أمسية أدبية وإنسانية إحتضنها دار الورقاء للنشر مساء أمس الأحد الموافق 30 أغسطس 2026،وبالتعاون مع مقهى السبعينات ، التقى الأدب بالإنسان في حوارٍ مختلف مع الكاتبة ريم عبدالله، تحت عنوان: حين تبوح الأرواح: في رحاب السرد والنفس البشرية، وأدارت الحوار الكاتبة المبدعة الأستاذة حنان العشبي، في أمسية لم تكن مجرد حديث عن الكتابة، ولكنها محاولة للإقتراب من تلك المساحات الخفية في داخل الإنسان، حيث يسكن الألم، وتختبئ الأسئلة، وتتعثر الأرواح في أوجاع لا تجد دائمًا الكلمات المناسبة لترويها.
في رحاب السرد، يصبح الأدب أكثر من حكاية تُروى، يصبح مرآةً يرى الإنسان فيها نفسه، وربما يرى للمرة الأولى ما ظلّ طويلًا يخشى مواجهته، فالكاتب حين يكتب عن الألم لا يروي وجعًا بعيدًا لكنه يقترب من منطقة إنسانية مشتركة، من خوفٍ مررنا به، أو إنكسارٍ أخفيناه، أو شعورٍ عجزنا يومًا عن تسميته.
وتناولت الأمسية مفهوم الألم النفسي والاضطرابات النفسية من زاوية إنسانية، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة والصور النمطية التي تجعل الإنسان يخفي معاناته خوفًا من نظرة المجتمع، فكما نذهب إلى الطبيب حين يؤلمنا الجسد، فإن النفس أيضًا تستحق أن نعتني بها حين تتعب، وأن نطلب المساعدة حين نعجز عن حمل ما في داخلنا وحدنا.
ولعل أخطر ما يمكن أن يفعله المجتمع بالإنسان المتألم أن يجعله يشعر بأن ألمه عيب يجب إخفاؤه، فيتحول المرض من معاناة تحتاج إلى علاج إلى سرّ يحتاج صاحبه إلى حراسته، وهنا يصبح الصمت جزءًا من المشكلة، لا حلًا لها .
فالحديث عن الصحة النفسية ليس إعلانًا عن ضعف، والإعتراف بالألم ليس هزيمة، إنما قد يكون أول أشكال القوة، أن يقول الإنسان: أنا أتألم يعني أنه إختار النجاة بدل الإنكار، وإختار أن يمد يده نحو الحياة بدل أن يترك نفسه وحيدًا في عتمة لا يراها الآخرون.
ومن هنا جاءت قيمة هذه الأمسية، لأنها لم تتعامل مع النفس البشرية بإعتبارها موضوعًا أدبيًا فحسب، ولكن بإعتبارها عالمًا يستحق الإصغاء، فبعض الأرواح لا تحتاج إلى نصيحة بقدر ما تحتاج إلى أن تجد من يقول لها: ألمك مفهوم، ومشاعرك لا تنتقص منك، وطلبك للمساعدة ليس عيبًا .
وحين يفتح الأدب هذا الباب، يصبح السرد مساحةً للبوح، والبوح خطوةً نحو الفهم، والفهم بدايةً نحو التعافي، فربما لا نستطيع أن نمنع الألم من زيارة أرواحنا، لكننا نستطيع أن نغيّر الطريقة التي نستقبله بها، أن نتحدث عنه بدل أن نخجل منه، وأن نطلب العلاج بدل أن نخفيه، وأن نمنح الإنسان حقه في أن يكون متعبًا دون أن نختصره في تعبه.
فالأرواح أيضًا تمرض لكنها لا تحتاج إلى أن تختبئ، هي فقط تتمنى أن تُسمع .



