الأخبار الرياضيه

624 دقيقة راحة في مونديال 2026.. هل تتحول فواصل شرب الماء إلى ماكينة إعلانات تدر الملايين؟

تحولت فترات التوقف الإلزامية التي فرضها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) خلال مباريات كأس العالم 2026 إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في البطولة، بعدما اعتبرها كثيرون خطوة تجارية تخدم سوق الإعلانات أكثر مما تخدم صحة اللاعبين، رغم تأكيد الهيئة المشرفة أن الهدف منها هو تمكين اللاعبين من الترطيب في ظل درجات الحرارة المرتفعة.
وباتت جميع مباريات المونديال تشهد توقفًا لمدة ثلاث دقائق في الدقيقة الثانية والعشرين من كل شوط، وهو إجراء غير مألوف في كرة القدم التقليدية، لكنه يشبه ما يحدث في الرياضات الأمريكية التي تعتمد على فترات توقف منتظمة مخصصة للإعلانات والرعاة.
وتؤكد “فيفا” أن هذه الاستراحات تهدف إلى حماية اللاعبين من تأثيرات الحرارة خلال الصيف في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، إلا أن إلزامية تطبيقها في جميع المباريات، حتى في غياب الظروف المناخية القاسية، أثارت تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء القرار، خاصة مع استغلال هذه الدقائق لبث الإعلانات التجارية.
وبحسب التقديرات، توفر فترات التوقف الجديدة 208 فرص إعلانية إضافية، أي ما يعادل 624 دقيقة من البث التجاري خلال البطولة، وهو رقم يتجاوز عشر ساعات كاملة من الإعلانات الإضافية.
وعند تقسيم هذه الدقائق إلى إعلانات مدتها 30 ثانية، فإن البطولة ستشهد نحو 1248 مساحة إعلانية إضافية، وهو رقم هائل قد يدر مئات الملايين من الدولارات .
ففي مونديال قطر 2022، تراوح سعر الإعلان التلفزيوني الذي يمتد لـ30 ثانية بين 300 ألف دولار في المباريات العادية و600 ألف دولار في المواجهات الكبرى.
ووفق هذه الأرقام، قد تصل القيمة الإجمالية لهذه الفترات إلى نحو 374 مليون دولار في السيناريو المعتاد، بينما قد ترتفع إلى حوالي 749 مليون دولار إذا بيعت بأسعار المباريات الكبرى.
أما في الأدوار الإقصائية والنهائي، فيرى محللون أن قيمة الإعلان قد تقترب من أسعار إعلانات مباراة “سوبر بول” الأمريكية، والتي تتراوح بين 7 و9 ملايين دولار للإعلان الواحد. ومع وجود 12 مساحة إعلانية خلال فترات التوقف في المباراة النهائية، فقد تتراوح القيمة النظرية لهذه الدقائق وحدها بين 84 و108 ملايين دولار.
ورغم هذه الأرقام الضخمة، فإن العائدات لا تذهب مباشرة إلى خزائن “فيفا”، إذ تتولى القنوات والمنصات المالكة لحقوق البث بيع المساحات الإعلانية، بينما يستفيد الاتحاد الدولي بشكل غير مباشر من خلال ارتفاع القيمة السوقية لحقوق النقل التلفزيوني كلما ازدادت قدرة المباريات على جذب المعلنين، وهو ما يفسر توقعاته بتحقيق نحو 4 مليارات دولار من إيرادات مونديال 2026، مقابل 2.9 مليار دولار في نسخة قطر 2022.
ولم يقتصر الجدل على الجانب المالي، بل امتد إلى تجربة المشاهدة، بعدما حُرم متابعون من مشاهدة لحظات من مباراة الافتتاح بين المكسيك وجنوب أفريقيا بسبب استمرار بث إعلان على شبكة “فوكس” الأمريكية بالتزامن مع استئناف اللعب.
كما أثارت هذه التوقفات اعتراضات واسعة داخل الأوساط الفنية، إذ يرى عدد من المدربين والمحللين أنها تؤثر في إيقاع المباريات وتكسر الزخم الذي تبنيه الفرق خلال فترات الضغط والسيطرة.
وفي هذا الإطار، انتقد المدرب الفرنسي ديدييه ديشامب هذه الاستراحات، معتبرًا أنها “تقطع كل شيء”، مشيرًا إلى أن المستفيد الأكبر منها هم المعلنون الذين حصلوا على مساحات إضافية للبث التجاري.
كما أشار مراقبون إلى أن استئناف اللعب في مواجهة سويسرا وقطر تأخر لإتاحة الفرصة للقناة الناقلة لإنهاء فقرتها الإعلانية، وهو ما أثار استياء العديد من المتابعين حول العالم.
ويعكس هذا الجدل اختلافًا واضحًا بين نموذجين رياضيين؛ فبينما تقوم كرة القدم الأوروبية على استمرارية اللعب بأقل قدر من التوقفات، تعتمد الرياضات الأمريكية الكبرى، مثل دوري كرة القدم الأمريكية (إن إف إل) ودوري كرة السلة الأمريكي (إن بي إيه) على فترات توقف منتظمة تتخللها الإعلانات، ضمن نموذج يعتبر الرياضة منتجا ترفيهيا وتجاريا في المقام الأول.
يُذكر أن فترات الترطيب ظهرت لأول مرة في كأس العالم 2014 بالبرازيل، وكانت تُطبق بشكل استثنائي عندما تتجاوز درجات الحرارة 32 درجة مئوية، قبل أن تتحول في نسخة 2026 إلى إجراء إلزامي أثار نقاشًا واسعًا بين من يراه ضرورة لحماية اللاعبين ومن يعتبره وسيلة جديدة لتعظيم العائدات التجارية على حساب روح اللعبة.

د.عمرو خالد حافظ

نائب رئيس التحرير والقسم الرياضي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى