الأخبار المحلية

بين صوم الجوارح ورهبة الامتحانات يغيب فقه التربية

          ✍️ عبدالله الزبيدي – كاتب سعودي :

في ظلال الشهر الكريم حيث يُفترض أن تُحلق الأرواح في فضاءات السكينة والتدبر، ويُروض الجسد على الصبر الجميل تبرز مفارقةٌ تربوية تستدعي التأمل .. وهي اتخاذ الاختبارات وسيلةً لضبط الحضور والانضباط لا بوازع الرغبة في العلم بل بسطوة “الرهبة” .
التربية.. ترغيب لا ترهيب فجوهر التربية الحديث يقوم على خلق “بيئة آمنة” تُحفز الطالب على الإبداع والاكتشاف.
أما حين تتحول السياسات التعليمية إلى أدوات “قسرية” تهدف لضمان الانضباط من خلال وضع الاختبارات في أيام الصيام المجهدة، فإننا نكون أمام “انضباط ظاهري” يخفي وراءه نفوراً نفسياً عميقاً .
التعليم الذي يُساق إليه الطالب بالترهيب هو تعليم يفقد بركته وقيمته المعنوية.
لقد جُعل الصيام ليُهذب النفس، لا ليكون عائقاً يُقاس به مدى التحمل النفسي تحت ضغط الدرجات.
إن حصر “الانضباط” في شبح الاختبارات الرمضانية يحول هذا الشهر الفضيل في ذاكرة الطلاب من محطة للسمو الروحي إلى موسم من القلق والاضطراب فبدلاً من أن يركز الطالب في جوهر الصيام ، يجد نفسه محاصراً بين إرهاق الجسد ورهبة الورقة والقلم، مما يُولد علاقة عدائية غير واعية مع المؤسسة التعليمية ، و رسالة مبطنة تدعو لعدم الانضباط وهذا خلاف ما تريده الوزارة .
السياسة التربوية الناجحة هي التي تزرع “الوازع الداخلي” للانضباط أما الرهان على التوقيتات الصعبة لفرض الحضور فهو حل مؤقت يعالج العرض ولا يعالج المرض.
الانضباط الحقيقي يُبنى حين يشعر الطالب أن مدرسته تقدر إنسانيته، وتراعي طاقته البدنية والروحية، لا حين يشعر أنه مُطارد بالقرارات التي لا ترى فيه سوى “رقم مقعد” يجب إشغاله.
علينا نقل مفهوم “الانضباط” من القسرة الخارجية إلى “الالتزام الذاتي”، وتحويل المدرسة من ساحة اختبارات إلى بيئة مرنة تراعي الفروق الفردية والظروف الزمنية.
بأساليب تربوية منها :
– تفعيل التعلم القائم على المشاريع
بدلاً من الاختبارات التحريرية المجهدة، يمكن استبدالها بمشاريع بحثية أو عملية يتم العمل عليها طوال الشهر. هذا النوع من التعلم يمنح الطالب مرونة في إدارة وقته (متى يذاكر ومتى يرتاح)، ويُنمي مهارات البحث بدلاً من الحفظ تحت الضغط.
– نظام “الساعات المرنة” والتعلم المدمج
بحيث يكون الحضور الحضوري للمواد التي تتطلب تفاعلاً مباشراً، بينما تُنقل المواد الإثرائية أو النظرية عبر منصات التعلم عن بُعد. هذا يقلل من الهدر البدني للطلاب ويجعل وجودهم في المدرسة نوعياً وهادفاً.
– تحويل رمضان إلى “شهر المهارات والقيم”
تخصيص جزء من التقييم الدراسي في رمضان للنشاطات اللاصفية التي تعزز قيم الشهر، مثل: الأعمال التطوعية، المسابقات ، الرحلات الدينية..إلخ
عندما يشعر الطالب أن المدرسة “تحتفي” بخصوصية الشهر ولا تصطدم معه، سيزداد ارتباطه العاطفي بالبيئة التعليمية وينضبط تلقائياً.
– الاختبارات القصيرة المقننة
بدلاً من اختبارات مجدولة وزاريا تثير الرعب، يمكن الاعتماد على “تقييمات مستمرة” قصيرة جداً ومبسطة تُجرى في بداية الحصة، وتكون تكرارية وهدفها التحقق من الفهم لا رصد الدرجات العقابية. هذا يحفز الطالب على الحضور اليومي لمتابعة مستواه دون خوف.
– ميثاق “الانضباط القيمي”
عقد اتفاقية أو “ميثاق” بين المدرسة والطلاب في بداية الشهر، ينص على منح حوافز إيجابية (مثل نقاط إضافية في السلوك الإيجابي، أو رحلات ترفيهية بعد العيد) للفصول الأكثر انضباطاً، بدلاً من التهديد بوضع اختبارات صعبة.
– تحسين البيئة المدرسية الفيزيائية
توفير بيئة مدرسية تراعي الصيام (تكييف ممتاز، حصص دراسية أقصر، إلغاء الحصص البدنية المجهدة). عندما يجد الطالب أن مدرسته تقدر جهده البدني، ستقل لديه الرغبة في التغيب.

بالختام :
إننا بحاجة إلى مراجعة مفهومنا عن “الحوافز”. الحافز الحقيقي هو ما يدفع الطالب للإقبال على العلم بشغف، لا ما يدفعه للحضور خوفاً من ضياع فرصة أو مشقة تعويض.
التعليم رسالة سامية، وأسمى ما فيها أن تُقدم برفق، خاصة في شهر هو عنوان للرحمة واليسر.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى