الاخبار الفنية والثقافية

حوار مع المهندس عمرو محمد درويش

الهندسة والخرائط في توثيق مسار الهجرة النبوية

إدار الحوار – هشام حسن نتو : 

لم يعد البحث في مسار الهجرة النبوية مجرد سردٍ تاريخي تُستعاد به الأحداث، بل أصبح مجالًا علميًا يتقاطع فيه النص مع الجغرافيا، وتُختبر فيه الروايات عبر أدوات التخطيط والخرائط والتحقق الميداني. وفي ظل اختلافات واسعة بين الباحثين حول تحديد المسار، ظهرت محاولات علمية تسعى إلى إعادة قراءة الروايات قراءةً دقيقة، وإعادة بناء التسلسل الزماني والمكاني للمعالم والأحداث وفق ضوابط الرواية والواقع الجغرافي.

في هذا الحوار، نسلّط الضوء على تجربة بحثية ميدانية اعتمدت الخرائط عالية الدقة، والإحداثيات، ورحلات مسح ميداني لتحديد الطبيعة الطبوغرافية وملاءمتها للمعلم أو الحدث الوارد في السيرة، بل ومحاكاة زمنية بالجمال، في محاولة لضبط المسار على نحوٍ يقرّب القصة من المكان الذي وقعت فيه، ويجعل فهمها أكثر ارتباطا في الذكرة الذهنية بالجغرافيا التي وقعت عليها.

المهندس عمرو محمد درويش:
نائب فريق البحث في فريق التوثيق (أثر)، وباحث في العمارة والمعالم التاريخية والإسلامية، وشريك ورئيس مجلس الإدارة في شركة «أثر»، وعضو في «الإيكوموس» السعودي .

يحمل بكالوريوس العمارة، وماجستير تخطيط المدن، وتولى مناصب قيادية في القطاعين الحكومي والخاص، من بينها رئاسة بلدية تبوك لخمس سنوات، ووكيل أمين جدة للخدمات لخمس سنوات، إضافة إلى رئاسته مجلس إدارة الشركة الوطنية لتوطين الوظائف، ورئاسة شركة المطورون الثلاثة. ومكتبه للإستشارات الهندسية.

س١/ ما الذي دفعكم للمشاركة في فريق البحث للدراسة حيث إنه بدأ بالأستاذ القريقري والدكتور سمير؟
ج: في الواقع لم يكن هناك “فريق بحث” بالمعنى المنظم في البداية، بل كانت رحلات ميدانية. وبدأت قصتي مع مسار الهجرة في مارس 2019م حين رغبت في ترك الروتين اليومي الذي كنت أعيشه والتفرغ لما تبقى من العمر.
تابعت رحلات أخي د. سمير أحمد برقة عبر (تويتر/ X)، فتواصلت معه وشاركت في الرحلات، وهناك تعرفت على مرشدهم المكاني الشيخ عبد الحافظ القريقري والأستاذ حسن عبد الشكور.
وبحكم تخصصي كمهندس ومخطط مدن واهتمامي بنظم المعلومات الجيومكانية، كنت أسجل الإحداثيات لكل موقع نقف عليه على خرائط جوجل في جوالي حتى عند انقطاع الشبكة، ثم أرسلها للمجموعة المشاركة في الرحلة عند توفر الاتصال. وبعد العودة للمنزل أنقل النقاط إلى “جوجل إيرث” وأحاول ربطها بمسارات محتملة تناسب حركة الجمال قديمًا، لا المسار الذي نسلكه بالسيارات.
في الرحلة الثانية تكرر الأمر، ففتح الأستاذ حسن عبد الشكور نقاشًا معي منفردا حول مآل ما يقومون به لا سيما أنه بقتصر على تنظيم رحلات فقط دون رؤية مستقبلية، وعلم مني أني أقوم فعلا في محاولة الربط بن المعالم والأحداث على جوجل إيرث، فطرح ضرورة تحويل الرحلات إلى مشروع له رؤية. فاقترحت أن نجتمع، ونحدد أهدافًا، ونوقع اتفاقية لحفظ الحقوق وسرية المعلومات. ومن هنا تبلور مشروع توثيق مسار الهجرة النبوية، خاصة بعد أن اتضح لنا وجود اختلافات كبيرة بين الباحثين السابقين في تحديد المسار؛ فبعضهم لم يسلك الساحل، وبعضهم مرّ بالجحفة، رغم مخالفة ذلك للنصوص الصريحة لرواة القصة (كأبي بكر وسراقة وأم معبد وغيرهم). لذلك قررنا إعادة استنطاق الروايات بفهم اللسان العربي في زمنها، لا بفهمنا المعاصر . 

س٢/ ما أوجه الخلاف بين الآيدلوجيات الفكرية لديك فيما يخص مسار الهجرة النبوية وما وجدته أثناء الدراسة؟
ج: من منظور تخطيطي وجغرافي، الهجرة رحلة من مكة إلى المدينة لها مسار محدد ورد في الروايات، ومرت بمعالم وأحداث متسلسلة كل منها مرتبط بالتسلسل المكاني والزماني وقت حدوثه. دور الباحث هنا ليس قراءة الرواية فقط، بل ربطها بالمكان: ويأني ذلك بتقدير ما يمكن أن تقطعه الجمال، ثم اختبار إمكانية الوصول بين المعالم، باستخدام الخرائط والأجهزة. كما أن اختلاف فهم الألفاظ عبر العصور يجعل الباحث الجاد يعيد فهم كلمات الرواية بمقاصد راويها قبل 1447 عامًا. ويساعد في ذلك أن كثيرًا من أسماء المعالم لا تزال محفوظة حتى اليوم.

س٣/ أثناء كلمة فريق البحث العلمي للدراسة في حفل تدشين الكتاب ذكرت أنك طلبت من الأستاذ القريقري والدكتور برقة توقيع مذكرة عدم نشر معلومات؟
ج: هذا إجراء طبيعي لحفظ الحقوق وسرية العمل. الأستاذ عبدا لحافظ صاحب خبرة ميدانية طويلة وكتاب يُسترشد به ولديه ذاكرة مكانية قوية، والدكتور سمير باحث في السيرة والمعالم المكية وهو كنز من المعلومات السردية.

أما ما أقدمه أنا من خرائط ورفع مساحي وإحداثيات لآلاف النقاط ورسم للمسار وتحديد المعالم والأحداث عليه فهو قيمة إضافية يجب حفظها. ومع الجهد الجماعي في استخراج الروايات من الصحاح وتنقيحها والرحلات الميدانية، يصبح حفظ الحقوق وعدم الإفصاح المبكر أمرًا ضروريًا حتى لا يتضرر المشروع أو أحد أعضائه.

س٤/ لأي درجة استفاد فريق البحث العلمي من التقنية المتاحة من خرائط وبرامج خاصة بالمسح الميداني وما الذي استخدمتموه واستفدتم منه؟
ج: الكتاب قائم على “الترتيب الزماني والمكاني” بعد التحقق من الروايات. لذلك اعتمدنا على الخرائط عالية الدقة وصور ميدانية واضحة، مع “QR” لكل نقطة لإحداثياتها، بحيث يصبح فهم القصة أسهل، وترتبط الصورة الذهنية للمكان بالحادثة. كما استخدمنا أجهزة قياس الأطوال والارتفاعات للتحقق من المسار، وزادت ثقتنا بالنتائج بوجود نقوش في بعض المواقع وثّقناها.

 

س٥/هل سبق لك المشاركة في رحلة مشي طويل أو مبيت خلوي، وكيف كان شعورك في رحلة المحاكاة للدراسة؟
ج: أحب المشي بطبيعتي لكن لم أشارك سابقًا في “رحلات مشي” منظمة سوى الرحلات الاستجمام ورحلات التوثيق. أما المبيت في البر فسبق لي بحكم العمل في تبوك أثناء الرحلات التفقدية للقرى بالمنطقة قبل أكثر من أرعين عاما. أما في رحلة المحاكاة استفدت من خبرتي في الخرائط الرقمية وتتبع الدروب، فكنت أطمئن على المجموعة في نقاط المبيت ثم أعود للمنزل للاستحمام والراحة ساعة تقريبًا ثم أرجع قبل الفجر لمتابعة المسيرة. كان ذلك مرهقًا لقلة النوم، لكنه كان أفضل لي من المبيت الكامل، باستثناء ليلة واحدة اضطررت فيها للمبيت معهم. أما بقية الفريق فكانوا أكثر اعتيادًا على ذلك.

س٦/هل أستشكل عليكم شيء من الدراسات وبعدها فتح عليكم وفتح الإستشكال، كيف حصل وأذكر لنا أمثلة ؟ 
ج: نعم، عدة إشكالات، منها:
توقيت السير: بعض الدراسات فهمت “سرينا من ليلتنا” على أنه سير بالجمال ليلًا، بينما هناك نص آخر أن عبدالله بن أوريقط أتاهم بالجمال “صبيحة ليالٍ ثلاث”. فجمعنا بين النصين وبتحليل زمني: فقد خرجوا من الغار ليلا ونزلوا بعد منتصف الليل (في غرة الشهر فلا قمر) فاستغرق النزول وقتًا طويلًا، ثم كان بدء السير بالجمال بين الفجر والشروق (وهو معنى الصبيحة عند العرب في ذلك الزمن)، وهذا يرفع التعارض.
ريع الكوثر (المبيت الثالث): أكد الأستاذ عبدالحافظ وجود مصلى، ولم نعثر عليه رغم تكرار المحاولات حتى بعد المحاكاة، ثم ظهر لاحقًا في زيارة مع ضيوف عندما صعدت أعلى الريع فوجدته، وصعد الأستاذ عبدالحافظ وأكد أنه المصلى الذي وقف عليه قبل 20 عامًا.
جبل ركوبة: ورد وصفه “على يسار الماشي”، لكن تبين أنه “على يمين الماشي” وفق تسلسل المعالم. وبعد البحث رجحنا أن الراوي وصفه وفق موقع إقامته (الشام) لا وفق مسار الهجرة نفسه.
مصلى مسعود بن هنيدة أعلى ركوبة: صعوبة الوصول بسبب الوعورة والارتفاع. اكتشفت مسارًا يمكن أن تسلكه السيارة، وذهبنا بعد صلاة الفجر ووصلنا ظهرا، وكانت الحرارة مرتفعة جدًا (بلغت 52 ثم أنخفضت عند العصر إلى 48). فصعدنا الجبل ووثقنا المصلى، ووجدنا إشارة لقبلتين (بيت المقدس ومكة)، ثم بحثنا عن مسار الجمال للمكان ووثقناه.

س٧/ هل مسار الهجرة النبوية الذي أستخدم مرة واحدة أستخدم من قبل أحد مرة أخرى؟
ج: ورد في السيرة أن الصحابة والتابعين كانوا يحرصون على السير في المسارات التي سار فيها الرسول ﷺ ويحرصون على الصلاة في الأماكن التي صلى فيها الرسول ﷺ ، وتبعهم باحثون حتى اليوم. فالنبي ﷺ سلك هذا المسار في الهجرة، لكنه لم يستخدمه في رحلاته الأربع إلى مكة بعد الهجرة، بل سلك درب الأنبياء والقوافل المعروف كما ثبت في الصحاح.
ومن المهم تصحيح اعتقاد أن المسار “لم يسلكه أحد قبله”؛ فهذا غير دقيق، إذ كيف عرفه عبد الله بن أوريقط وهو خبير دروب؟ هو مسار غير شائع لكنه معروف عند قلة. ومثاله المعاصر: طريق مسفلت معروف، وبجواره مسارات ترابية لا يسلكها إلا القليل.

س٨/ كتاب الدراسة اعدت له مقدمات متخصصة من معرفيها لماذا؟ وهل كانت مقصودة؟
ج: نعم كانت مقصودة. اخترنا مقدمين كلٌ يقدّم الكتاب من زاوية تخصصه:
الشيخ د. عبد الله المصلح (زاوية شرعية/علمية).
د. معراج مرزا (زاوية تاريخية/جغرافية).
د. زهير نواب (زاوية جيولوجية، مع تأكيد أن الاختلاف لا يفسد للود قضية).
د. زيد الفضيل (زاوية ثقافية/إعلامية).
د. عدنان اليافي (زاوية بحثية/تاريخية).
ورأينا هذا التنوع ضرورة لتعدد جوانب الكتاب.

س٩/ فريق البحث العلمي للدراسة استخدمتم المسافة المقطوعة للإنسان والأبل… هل الطريقة مستخدمة سابقًا أم ابتكار من الفريق؟ وما ضابط القبول؟
ج: بعض الباحثين – مثل د. عبد الله قاضي – أشار للمسافات (البريد، الميل…) وما يمكن للقوافل قطعه، لكنه لم يذكر تنفيذ محاكاة زمنية فعلية بالجمال للتأكد من إمكانية الوصول للمناطق التي أفنرضا للأحداث والمعالم. نحن لم نجد دراسة سبقتنا في المحاكاة الزمنية العملية، ولذلك تميّزت دراستنا بأننا تحققنا ميدانيًا من الوصول إلى المعالم ونقاط المبيت في الأزمنة المذكورة، وأثبتنا أيضًا نقاط مبيت محتملة لم تُذكر صراحة في الصحاح لكنها ضرورية منطقيًا لتسلسل الرحلة.

س١٠ / بالنسبة للصخرة التي استظل تحتها الرسول ﷺ وصحبه هل عرفها أحد قبلكم أم أنتم من حدد موقعها؟
ج: أول من حدد موقع الصخرة ووضع صورة لها هو الشيخ عبد الحافظ القريقري في كتابه “تهامة الحرمين”. ودراستنا جاءت تفصيلية بالخرائط والمسار المرسوم والإحداثيات.

س١١/ هل كانت الدراسة محصورة فقط في تحديد المسار أم شملت تحقيق الأحداث والمواقف مثل قصة حمامة الغار والعنكبوت؟
ج: هدف الدراسة إعادة استنطاق التاريخ من الروايات الواردة في كتب الصحاح (البخاري، مسلم، مسند أحمد، مستدرك الحاكم…)، وترجمتها في تسلسل زمني مكاني دقيق، بعد تدقيق ميداني بنحو 100 رحلة مبدانية ومثلها اجتماعات ومراجعات خلال أقل من عامين.
أما قصة الحمامة والعنكبوت فقد وردت ولم تكن محور عملنا طالما أن الغار ثابت ومبيت النبي ﷺ فيه ثابت.
ولخدمة مقصد التخفي، قمنا أيضًا برفع مساحي لمسار درب الأنبياء والقوافل ورصد التجمعات البشرية المتحالفة مع قريش، لأن قريش رصدت 100 ناقة لمن يأتي بالنبي ﷺ وأبي بكر.

س١٢/ سؤال سألته للقريقري… هل شعرتم بالملل والخمول؟ وكيف تقيم مشاركتك في فريق متعدد التخصصات؟
ج: لم أشعر بملل، بل بشغف كبير؛ أعد هذا العمل من أعز ما أنجزت. بذلنا فيه وقتًا ومالًا، واستخدمت سيارتي الخاصة ثم اشتريت أخرى بسبب الطرق الوعرة وكلامه استهلاكنا تماما في فترة العامين.
وفي مرحلة الصياغة اتفقنا أن نصوغ نحن الثلاثة، لكن النقاشات الجانبية كانت تستهلك وقتًا، فاتخذت قرارًا بتحرير الكتاب كاملًا منفردًا (مع الصور والخرائط وجداول الإحداثيات) ثم أرسلته لهم للمراجعة، وكانت مفاجأة سعيدة لهما.
أما العمل متعدد التخصصات فهو مألوف للمهندسين، والمخططين، والأطباء، والمحامين..؛ يتبادلون أدوار القيادة والعضوية بحسب الحاجة.

س١٣/ ما حجم استثناءكم من الدراسات السابقة وخالفتموه… وما الذي صححتموه ووثقتموه؟
ج: من أبرز نقاط الخلاف:
مسار الساحل: ورد نص صريح بالاتجاه إلى الساحل/السواحل. وجدنا أن عبد القدوس الأنصاري التزم بذلك، بينما البلادي ومن سار على نهجه (ومنهم د. عبد الله قاضي ود. زهير نواب) أشاروا للنص لكن اتجهوا نحو الحديبية ومرّ الظهران، وهما بعيدتان عن الساحل ومفصولتان عن الساحل بسلسلة جبال، وقريبتان من طرق القوافل، وهو يتعارض مع مقتضى التخفي والاستعانة بدليل خبير في الدروب. وبعد عرض دراستنا على لجنة في دارة الملك عبد العزيز أخبرونا بتطابقها مع دراستهم واعتمادهم مسار الساحل، فطمأنّنا ذلك.
الجحفة: نرى أن مرور الركب بالجحفة غير مرجح؛ فهي محطة قوافل، (بل ويتعارض مع النص) فالنص ذكر أسفل أمج وقديد ثم “عارض الطريق” أي “سلك الحجاز”، دون ذكر الجحفة وهو دليل على عدم المرور بالجحفة، إلى ذلك أن المرور بالجحفة يستلزم المبيت بها وهي على درب القوافل بما يعرض الرسول ﷺ للخطر ويتعارض مع ما حرص النبي ﷺ عليه بالتخفي.
السير ليلًا: كثيرون رجحوه للحر والتخفي، لكن جميع أحداث السيرة وقعت نهارًا، باستثناء لقاء بريدة بن حصيب مساء اليوم الثاني جهة الغولاء حيث صلى الرسول ﷺ به وبقومه بعد إسلامهم العشاء الأخير.
لذلك نرجح أن السير بدأ صبيحة اليوم الأول واستمر في باقي الأيام نهارًا حتى الغروب مع نقاط مبيت ليلًا (ينتهي المسير يوميا بعد غرب الشمس)، ووجود مصليات في المبيت الثالث والخامس والسادس يعزز ذلك.

س١٤/ هل من قدموا للكتاب أهدوا لكم ملاحظات أو توجيهات؟
ج: قرأوه بدقة كلٌ في تخصصه وكتبوا مقدماتهم بوصفها أمانة علمية دون أن تأتي منهم أي ملاحظة أو توجيه. وأنصح القارئ بقراءة مقدماتهم لأنها جزء مهم من فهم الكتاب.
وأذكر مثالًا: في بداية جمع الروايات لم أعثر على رواية لقاء بريدة بن حصيب في المراجع التي بين أيدينا إنما أخذتها من مرجع لم يكن مما أعتمدناه، فسألت الشيخ د. عبد الله المصلح عنها فأكد صحتها ودلّني على المرجع الذي استخرجتها منه.

س١٥/ ما الذي امتازت به دراستكم عما سبقها؟
ج: أبرز المميزات:
صياغة سهلة تخاطب العامة مع منهج علمي يخدم الباحثين.
ترتيب الروايات والأحداث يومًا بيوم وفق الزمن والمكان بعد التأكد من صحته برحلة المحاكاة الزمنية.
خرائط عالية الدقة مدعمة بـرمز الاستجابة السريعة QR، مع آلاف النقاط المعزز بنقاط الاستجابة السريعة بين المعالم لضبط المسار دون اجتهاد، مع اختيار إخراج الكتاب بحجم ورق ( A4) بالعرض لتكون الخرائط أوضح.
صور ميدانية لكل معلم لتأكيد “عين المكان” ولإزالة أي التباس للدارسين للمسار في المستقبل.

س١٦/ هل صادفتم أميالًا حجرية… وهل يمكن الوصول لها؟
ج: طريق الهجرة خالٍ من الأميال الحجرية؛ فالأميال الحجرية عبارة عن علامات في درب الأنبياء والقوافل (الجادة العظمى) وهي نوعان الأولى أمر بوضعها الخليفة أبو العباس عبد الله السفاح، والأخرى أمر بوضعها أمير الخليفة العباسي أبو الفضل جعفر المتوكل على الله السفاح وكلاهما في العصر العباسي قبل نحو 1200 عام، وهناك علامات أخرى في دروب الحج القديمة.
قبل مسح طريق الهجرة قمنا برفع مساحي لدرب القوافل ورصدنا قرابة 80 ميلًا حجريًا ومحطات للقوافل، ونستهدف توثيقها لاحقًا. والوصول إليها اليوم سهل لأن هذه الدروب استُخدمت حتى قبل أقل من 100 عام ثم هُجرت بعد اكتمال الطرق الحديثة.

ي١٧/ كيف تعرفتم على المسميات المكانية المذكورة في مسار الهجرة؟
ج: كثير منها لا يزال مستخدمًا وبعضه موثق في الخرائط الورقية والرقمية. واستعنت بخبرة ومادة خرائطية لدى المهندس الاستشاري زكي محمد علي فارسي الذي أسهم في وضع خرائط طرق المملكة وتحويلها إلى نسخ رقمية.

س١٨/ما الضابط في قبول كلام أهل القرى من كبار السن؟
ج: أن يكونوا من أبناء المنطقة ومقيمين فيها، وأن تكون المعلومة متوارثة ومتواترة، وقد صادفنا كثيرًا منهم.

س١٩/كيف استفدتم من الرحالة الذين شاركوكم المحاكاة وكيف جاءت فكرة ضمهم؟
ج: بعد إنجاز المسوحات وتنزيل المواقع وقياس المسافات وتحديد نقاط المبيت نظريًا، احتجنا لتحقق عملي؛ فكانت المحاكاة بالجمال. نجاح الوصول في الأزمنة المنصوص عليها يعزز صحة الدراسة، وإخفاقه يكشف خللًا.
وجود الرحالة كان مهمًا لأن بعض المناطق لا تصلها السيارات؛ كنا نزودهم بنقاط السير، ونسبقهم بالسيارات عبر مسارات بديلة، ووثقوا لنا نقوشًا صادفوها أثناء السير.

س٢٠/ كيف جرت حوكمة البحث وتوثيقه مع الجهات ذات الصلة؟
ج: تواصلنا مع جهات متعددة (هيئة تطوير مكة والمشاعر، برنامج خدمة ضيوف الرحمن، مركز تاريخ مكة، مركز أبحاث الحج، وزارة الثقافة…)، واتفق كثيرون أن الجهة المخولة بالاعتماد هي دارة الملك عبد العزيز.
عرضنا الدراسة على لجنة علمية لدى دارة الملك عبدالعزيز فأثنوا على الدراسة وأفادوا بتطابقها مع دراستهم، لكن إجراءات الاعتماد تستغرق وقتًا طويلًا قد يصل لعامين، عندها طلبنا من معهد أبحاث الحج إعتمادها فتم تشكيل فريق علمي من المختصين يتكون من د. خالد الغيث، د. فؤاد المغامسي، د. أمل الثبيتي أطلعناهم على ملخص الدراسة وأوقفناهم على كامل المسار وبعد أن تأكدنا من عدم وجود ملاحظات جوهرية لديهم حولنا الدراسة إلى كتاب، واستُكملت إجراءات الموافقات عبر هيئة الإعلام، وأُحيلت للدارة بحكم الاختصاص، وتم ذلك بحمد الله.

س٢١/ لماذا لفتت نظركم تفاصيل الاستعانة بدليل والخروج بعد منتصف الليل ومكوث الغار وغيرها مما ذكرتموه؟
ج: لأنها تُظهر قصد التخفي الشديد، وتفسر لماذا كان المسار بعيدًا عن درب القوافل. كما نرى أن من اختار مسارات قريبة من الحديبية ومر الظهران والجحفة لو توقف عند هذه الدلالات لطرح سؤال “لماذا الدليل؟ ولماذا هذا التخفي؟” وربما أعاد النظر في ترجيحه للمسار.

س٢٢/ماذا تقصدون بلفظ “أغفلوا”؟ وهل هو تقصير أم قلة إمكانيات؟
ج: الإغفال قد يكون بسبب نقص معلومة، أو عدم التوقف عند ألفاظ مفصلية، أو غياب معايير دراسة المسار ضمن ظروفه الأمنية والزمانية. ومن أمثلته:
الاعتقاد بالسير ليلًا مع أن الأحداث نهارًا.
الاقتراب من طرق القوافل رغم مقتضى التخفي ووجود دليل خبير.
طالما هو بالقرب من طريق القوافل جهة الحديبية ومر الظهران فلماذا لم يظهر لنا من رأى الرسول كما حدث في قصة سراقة عندما ذهب الرسول لخيمتي أم معبد بالقرب من درب القوافل للتزود بالزاد.
مخالفة نصوص صريحة وتوجيه المسار بعيدًا عنها.
أما قلة الإمكانيات فقد تنطبق على الدراسات القديمة، لكن في الدراسات الحديثة لا تبدو مرجحًا قويًا لوفرة الأدوات والمصادر.

س٢٣/ما الذي أضفتموه ولم يذكره أحد قبلكم؟
ج: أبرز الإضافات:
تحديد نقاط مبيت محتملة قياسًا على مسير الجمال رغم عدم ورود نص صريح عليها في الصحاح.
توثيق مصليات في المبيت الثالث والخامس والسادس.
توثيق نقوش، ومنها نقش عند صخرة قائم الظهير: (اللهم اغفر لأم عبد الله بنت طلحة)ورجحنا أنها شخصية لها صلة بأحفاد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، بما يعزز دلالة الموقع تاريخيًا.
نقوش أخرى في المسار وعند المبيت الثالث والسادس.

س٢٤/ صادفتم مصليات… كيف وثقتم أنها صلى فيها النبي ﷺ ومرافقوه؟
ج: نعتمد قرائن متضافرة: تطابق الموقع مع الوصف، توافق المسافة مع زمن الرواية، ووجود شواهد تاريخية كالنقوش. مثال ذلك صخرة قائم الظهير؛ فإذا تطابقت القرائن ووجد نقش ذو دلالة، رجّحنا اعتماد الموقع.

س٢٥/كيف تم ضبط مسار صعود النبي ﷺ وأبي بكر رضي الله عنه لجبل ثور؟
ج: هو اجتهاد مبني على قراءة طبيعة الجبل ودرجة الميل وإمكانات الصعود والنزول، وربطه بمسار القدوم ومسار النزول، مع مناقشات تحليلية داخل الفريق.

س٢٦/ اجتهدتم في تحديد مواقع المبيت إلا الليلة السابعة… لماذا؟
ج: لطبيعة المنطقة وغياب الشواهد التي ترفع درجة اليقين، وعدم وجود من يساعدنا من كبار أهل المنطقة لتحديد الموقع المحتمل بدقة، لذلك ذكرنا إحداثيات “حولها” دون جزم.

س٢٧/ بقي شيء لمن يأتي بعدكم؟
ج: نعم، مع تقدم الأجهزة يمكن إجراء تحليلات أدق لعمر النقوش والكشف عما تحت الأرض دون حفريات. وضربت مثالًا من تجربتي في جدة التاريخية عام 1979م حين ساعدت قرينة ميدانية (مبنى دائري) على تحديد برج مراقبة من سور جدة القديم، واليوم أدوات الكشف الحديثة قادرة على إظهار معالم كثيرة مدفونة. ومثل ذلك قد يخدم مستقبلًا دراسة مسارات ومعالم تاريخية في الجزيرة العربية.

س٢٨/ اسمح لي ان اطرح عليك سؤال خارج موضوع اللقاء. عرفت ان لديك توثيق للمنطقة التاريخية كيف تم ومتى ولماذا؟
عام 1979 تعاقدت أمانة جدة مع شركة إستشارية بريطانية “روبت ماثيو وجونسون مارشال” لعمل دراسة المحافظة على المنطقة التاريخية وكان وقتها رئيس بلدية جدة المهندس محمد سعيد فارسي وقتها انا كنت رئيس قسم الدراسات في التخطيط بالإضافة لعملي ضابط الاتصال بين البلدية وشركة “جاكسون” التي مهمتها تخطيط مدينة جدة وبالنسبة لي المنطقة التاريخية آخذه أكثر اهتمامي لأني من أبنائها فطلبت من “الفارسي” ان أشارك في دراسة المحافظة على المنطقة التاريخية وبالنسبة لشركة جاكسون لديهم مهندسين يقومون بالعمل على اكمل وجه واكثر من يخدم في المنطقة التاريخية انا والمهندس كامل قمصاني رحمة الله عليه والقمصاني مبدع في عمله ومرتاح فيه ولا يرغب في تركه فقال لي هي لك وبدأت العمل.

بدأت العمل مع مهندسي الشركة “جورج دانكن” وفي يوم كنا أنا ومدير المشروع (جورج دانكن) نخطط ونحاول في رسم حدود سور جدة القديم ظهرت لي دائرة في الخريطة التي أتت بها الشركة من تركيا فنظرت لجورج فقال لي هل تعتقد انها القلعة (برج المراقبة) التي على السور فقلت له اعتقد انه البرج الموجود على السور الجنوبي الشرقي للسور وكان بقع داخل حدود مستشفى باب شريف فذهبت مباشرة للمستشفى وكان مديرها الدكتور فرج الله وزنه رحمة الله عليه وعرفته بنفسي فرحب بي فسألته عن مبنى قديم في المستشفى فقال ايوه موجود ومتهالك ونحن عاملينه مستودع فطلبت مفتاحه ودخلت وفعلا لقيته “برج المراقبة الموجود على السور” ورجعت للشركة وطلبت منهم سرعة عمل مقترح بنقل المستشفى وإزالة مبانيه مع الإبقاء على برج مراقبة سور جدة التاريخي وجعله في ساحة مفتوحة، ورفعت تقرير عاجل لأمين جدة المهندس محمد سعيد فارسي مع توصية بإزالة المستشفى وإخراج هذا المعلم في الساحة.. وقد كان.. وهذا نتيجة اجتهادات بسيطة، ولكن حاليا توجد أجهزة تبين لك ماذا يوجد اسفل الأرض وعلى أي أعماق وباب المدينة الحالي كشفوا عنه وأظهروه بعد استخدام تلك الأجهزة.

وبعد انتهاء المشروع ومرفق به أنظة اليونيسيكو وتوصية بإنشاء إدارة خاصة بالمنطقة التاريخية للمحافظة عليها ومتابعة تنفيذ التوصبات بالمعافظة والتتطوير وجميع ما يخصها فأوكل إلي المهندس محمد سعيد فارسي بإنشاء بلدية البلد وتكوينها وبعد الانشاء اتيت بمصور فيديو وبسيارتي الخاصة وتصور المنطقة التاريخية بالكامل شوارعها وطرقاتها وازقتها ومنازلها وبيوتها ومحلاتها عام 1979م حينها اردت ان اوثق كيف كان الوضع في بداية عملي ثم سجلت تسجيل آخر عام 1980م وحينها صدر قرار بتكليفي برئاسة بلدية تبوك اردت توثيق ما كانت عليه جدة بعد عام من العمل والجهد المبذول في المحافظة وتطوير المنطقة حسب الخطة المرفوعة لليونيسكو.

وكررت نفس الفكرة في تبوك وكانت الصلاحيات هناك أكبر واوسع وتعاون جميع الجهات لتطوير المنطقة والمدينة.
ومن فضل الله علينا ان ما اعددناه من أربعين سنه هو ما ينفذ الآن على ارض الواقع ولله الحمد والمنه.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. شكرا للكاتب هشام حسن نتو على هذا الحوار العميق مع المهندس عمرو محمد درويش حول توثيق مسار الهجرة النبوية بطرق علمية تعتمد على الخرائط والإحداثيات والبحث الميداني، مما يعزز فهمنا التاريخي الجغرافي للروايات النبوية وربطها بالمكان والزمان بدقة. رؤية الباحث وأدواته المبتكرة تسهم في إثراء الدراسات الإسلامية والتاريخية وتثري ذاكرة القارئ، ادام الله إبداعك ابو أنس.

    1. أشكرك أستاذ عبدالله البشيري على تعليقك .. وحقيقة فقد كان حوار الأستاذ هشام عميقا وأستطاع بمهارته الصحفية من الغوص في كواليس العمل الذي قمنا به بإحترافية ومهارة ، فأستنطقني بتفاصيل توضح للقارئ الكريم الكواليس المحيطة للبحث والكتاب عن كنوز طريق الهجرة النبوية..

      فجزى الله الأستاذ القدير هشام حسن نتو وإياكم خير الجزاء ..

  2. السلام عليكم
    ما شاء الله
    عمل جميل ورائع يعكس حرص الكاتب على توثيق خطي وقالي مع المهندس عمرو محمد درويش .
    معلومات ذات قيمة عالية جدا ،يجب توثيق ما سبق بعدة طرق و تسليط الضوء من قبل المجتمع وذلك للفائدة العامة.
    محبكم حسن الجلاد

    1. بارك الله فيكم أستاذ حسن..
      وأضم صوتي لكم فيما ناديتم به..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى