الاخبار الدولية + الاخبار العربية والخليجية

أميليا لكرافي في حوار خاص: “الاعتراف الفرنسي بدولة فلسطين خطوة شجاعة تفتح طريق السلام العادل”

حاورها: عبدالله الينبعاوي – باريس

أكدت السيدة أميليا لكرافي، عضو البرلمان الفرنسي عن الفرنسيين المقيمين في إفريقيا والشرق الأوسط، والأمين العام للجمعية البرلمانية للفرنكوفونية، أن قرار فرنسا بالاعتراف بدولة فلسطين يمثل “لحظة تاريخية وخطوة شجاعة نحو الحل العادل والدائم في الشرق الأوسط”، مشيرة إلى أن هذا القرار جاء نتيجة جهود دبلوماسية مشتركة بين باريس والرياض لإحياء مسار السلام وإعادة الثقة في حل الدولتين.

وفي حوار هاتفياً ، تحدثت لكرافي عن أبعاد القرار الفرنسي، والدور المحوري للمملكة العربية السعودية وقطر ومصر في دعم جهود التهدئة، إضافة إلى رؤيتها لمستقبل الدولة الفلسطينية ومشاريع إعادة إعمار غزة، ومبادرات الجمعية البرلمانية للفرنكوفونية لدعم المؤسسات الديمقراطية الفلسطينية.

فرنسا والسعودية.. شراكة من أجل “اليوم التالي”

سؤال: وصفتم اعتراف فرنسا بدولة فلسطين بأنه “قرار شجاع وخطوة حاسمة نحو حل الدولتين”. ما الذي يعنيه هذا القرار عمليًا بالنسبة للسلام والدبلوماسية في الشرق الأوسط؟

لكرافي:
هذا الاعتراف لم يكن خطوة رمزية، بل ثمرة تعاون وثيق بين فرنسا والمملكة العربية السعودية ضمن رؤية تهدف إلى التحضير لما نُسميه “اليوم التالي” — أي رسم مسار سياسي واقعي نحو سلام دائم.
إنه يعكس قناعة راسخة بأن السلام لا يتحقق دون عدالة، وأن العدالة لا تتحقق إلا بالاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في الكرامة والسيادة والأمن، مع ضمان حق إسرائيل في العيش بسلام.

القرار أنعش الدبلوماسية الدولية وأعاد التأكيد على أن حل الدولتين هو الخيار الواقعي والمستدام الوحيد. كما شجع دولًا أخرى، خصوصًا في أوروبا، على اتخاذ مواقف منسجمة مع القانون الدولي.
وقد انضمت عشر دول حتى الآن إلى الموقف الفرنسي، فيما ساهمت جهود وساطة مصر وقطر والسعودية في تحقيق وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى.
وأنا أعبّر عن امتناني العميق لقطر والمملكة على قيادتهما والتزامهما الراسخ بالسلام.

لحظة مؤثرة ومسؤولية متجددة

سؤال: كنتِ حاضرة في الأمم المتحدة أثناء إعلان الرئيس ماكرون عن الاعتراف بدولة فلسطين. كيف تصفين تلك اللحظة؟

لكرافي:
كانت لحظة مؤثرة جدًا، سواء كبرلمانية فرنسية أو كامرأة عربية الأصل مسلمة الهوية.
لقد شعرت بفخر عميق، لأنني كنت أعتقد أنني لن أرى هذا الاعتراف في حياتي بعد سنوات من الدفاع عن هذه القضية.

لكن هذا القرار يلزمنا بأن نحوّل الاعتراف إلى عمل.
وعلى فرنسا أن تواصل تعاونها الوثيق مع شركائها الإقليميين — قطر والسعودية ومصر والأردن — لترسيخ السلام والاستقرار وإعادة الإعمار.
أما المجتمع الدولي، فعليه أن يدعم الشعب الفلسطيني سياسيًا ومؤسسيًا لبناء دولة ذات سيادة حقيقية وقابلة للحياة.

دبلوماسية الحوار لا المواجهة

سؤال: شهدنا مؤخرًا هدنة في غزة بوساطة قطر والسعودية ومصر وتركيا. كيف ترين دور هذه الدول؟

لكرافي:
كان الدور القطري والسعودي حاسمًا ومتكاملًا.
فدبلوماسيتهما هادئة وفعّالة، تقوم على الحوار والمسؤولية والرغبة الصادقة في السلام.
وأود أن أحيي سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على التزامهما الشخصي في إعادة التواصل والتنسيق الإقليمي.

لقد أصبحت الدوحة والرياض اليوم ركيزتين أساسيتين في الوساطة الإقليمية، وتحظيان بثقة جميع الأطراف.
وتقدّر فرنسا هذه القدرة على جمع الفرقاء وتهدئة التوترات وبناء الجسور.
كما أن جهودهما الإنسانية في غزة تثبت أن سلام الغد سيتحقق عبر جسور الحوار والتضامن بين الشعوب.

برلمانات من أجل السلام

سؤال: اقترحتم ضمن الجمعية البرلمانية للفرنكوفونية دعم المؤسسات الديمقراطية الفلسطينية. كيف يتم تنفيذ ذلك عمليًا؟

لكرافي:
نحن نؤمن بأن الديمقراطية لا تُفرض، بل تُبنى، وأن أفضل وسيلة لبنائها هي المرافقة لا الإملاء.
نعمل على تعزيز القدرات المؤسسية للمجلس التشريعي الفلسطيني وهيئاته، من خلال تدريب الكوادر، وتقديم الدعم الفني في الإجراءات التشريعية، وتبادل الخبرات مع برلمانات فرنكوفونية أخرى.

وبالتعاون مع الدكتور علي المري، النائب العام القطري السابق، أطلقنا مبادرة “برلمانات من أجل السلام”، التي تجمع برلمانيين من مختلف أنحاء العالم يؤمنون بأن الحوار بين الشعوب يجب أن يسبق الحوار بين الحكومات.

انتخابات 2026… فرصة لتجديد الثقة

سؤال: أعلن الرئيس محمود عباس عن انتخابات عام 2026. كيف يمكن ضمان شفافيتها ومصداقيتها؟

لكرافي:
تمتلك الجمعية البرلمانية خبرة كبيرة في مراقبة الانتخابات وتقديم الدعم المؤسسي.
يمكننا تقديم المساعدة التقنية وتبادل أفضل الممارسات وضمان المراقبة المستقلة بالتعاون مع منظمات دولية.

لكن التحدي الحقيقي هو إعادة بناء الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم، وهذا يتطلب تشجيع مشاركة النساء والشباب والأقليات، ليكون الاقتراع لحظة ديمقراطية حقيقية.

الحوكمة أساس الدولة القوية

سؤال: لماذا تعتبرون بناء القدرات المؤسسية والحوكمة أمرًا حيويًا لفلسطين؟

لكرافي:
لأن الدولة القوية لا تقوم إلا على مؤسسات قوية.
بدون شفافية وعدالة ومساءلة، لا يمكن بناء مستقبل مستدام.
الاستثمار في الحوكمة هو في جوهره استثمار في السلام وتمكين للأجيال الفلسطينية الجديدة لتقرير مصيرها بثقة وكرامة.

إعمار غزة وشفاء الجراح غير المرئية

سؤال: ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الاتحاد الأوروبي والجمعية البرلمانية في إعادة إعمار غزة؟

لكرافي:
الإعمار لا يعني فقط إعادة بناء ما تهدم، بل أيضًا مداواة الجراح النفسية والاجتماعية.
صحيح أن إعادة بناء المدارس والمستشفيات والبنية التحتية ضرورية، وقد أطلقت جامعة الدول العربية خطة بقيمة 53 مليار يورو، وهي بداية مشجعة لكنها غير كافية.

يمكن للجمعية أن تسهم في تنسيق المساعدات وضمان الشفافية في توزيع التمويل، فيما يمتلك الاتحاد الأوروبي الإمكانيات المالية والتقنية لدعم التعليم والصحة النفسية للأطفال والعائلات المتضررة.

فلسطين المستقبل… دولة سلام وانفتاح

سؤال: كيف تتصورين شكل الدولة الفلسطينية بعد عشر سنوات؟

لكرافي:
أتخيل دولة ديمقراطية مستقرة بمؤسسات قوية، تشارك فيها النساء بفاعلية، ويقود شبابها التنمية والابتكار.
دولة منفتحة على العالم، متكاملة اقتصاديًا في محيطها، وفخورة بثقافتها وهويتها.
دولة حوّلت الألم إلى صمود، والصراع إلى سلام وازدهار.

رسالة أمل وسلام

سؤال: ما رسالتك للذين ما زالوا يؤمنون بالسلام والحوار؟

لكرافي:
رسالتي بسيطة: لا تتخلوا عن الإيمان بالسلام.
فمن يتمسكون بالأمل في أحلك الظروف هم من يغيّرون مجرى التاريخ.

الحوار ليس ضعفًا، بل هو شجاعة.
وأستذكر هنا مبادرة “نساء من أجل السلام” في مدينة الصويرة بالمغرب، التي جمعت نساء من فلسطين وإسرائيل وسوريا والسودان وأفغانستان وفرنسا، وكان لي شرف المشاركة فيها.
خرجت من ذلك اللقاء بإيمان أعمق بأن كل جسر يُبنى بين شعبين هو خطوة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنسانية.

ختامًا، أكدت أميليا لكرافي أن فرنسا ستواصل التزامها بالعمل الدبلوماسي المتوازن، بالتعاون مع شركائها في العالم العربي، لإرساء أسس السلام العادل والدائم في المنطقة، معتبرة أن الاعتراف بدولة فلسطين ليس نهاية الطريق، بل بدايته الحقيقية نحو مستقبل مشترك يسوده الأمل والتفاهم.

محمد تهامي

مسؤول النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى