كتاب الرأي

السعودية خطٌّ أحمر

      ✍️علياء الغامدي – كاتبة سعودية :

ليست المملكة العربية السعودية مجرّد وطنٍ تحدّه الجغرافيا،أو أرضٍ تختصرها الخرائط،أو اسمٍ يتردّد في نشرات الأخبار بل هي تاريخٌ ضاربٌ في أعماق المجد،ورايةٌ شامخةٌ في سماء العزّة،وهويّةٌ تسكن الوجدان،وكرامةٌ تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل.هي وطنٌ إذا ذُكر حضرت هيبة التاريخ،وإذا رُفعت رايته استقام في النفوس معنى الانتماء،وإذا مُسَّت سيادته استيقظ في أبنائه صوت الوفاء.

السعودية خطٌّ أحمر لا لأنّها فوق النقد البنّاء،ولا لأنّ حبّها يعفينا من واجب الإصلاح بل لأنّ سيادتها ليست موضع مساومة،وكرامتها ليست ميداناً للعبث،وأمنها واستقرارها ليسا ساحةً لتصفية الحسابات.فالأوطان العظيمة تُصان بالحكمة،وتُحمى بالوعي،وتُبنى بسواعد أبنائها،وتعلو حين يلتفّ شعبها حول قيادته في مواجهة الأخطار والتحدّيات.

يا موطني،يا أرضَ الحرمين الشريفين،يا مهبطَ الوحي، ومهوى أفئدة المسلمين لك في قلوبنا منزلةٌ لا تُقاس بموازين المصالح العابرة،ولا تختزلها تقلّبات السياسة،ولا تنال منها ضجيج الأصوات العابثة.فيك قبلة المسلمين، وفي رحابك تهفو الأرواح إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومن أرضك انطلقت رسالةٌ غيّرت وجه التاريخ،فغدا لك من المكانة ما يجعل مسؤولية الحفاظ على أمنك وكرامتك مسؤوليةً تتجاوز حدود الجغرافيا إلى آفاق الرسالة والحضارة.

إنّ حبّ السعودية ليس قصيدةً تُقال في المناسبات،ولا شعاراً يُرفع حين تصفق الحشود بل هو عهدٌ يتجدّد في الضمائر،وعملٌ يُترجم في المواقف،وإخلاصٌ يظهر في أوقات الشدائد قبل مواسم الاحتفال.أن تحبّ وطنك فذلك أن تحفظ مكتسباته،وتصون وحدته،وتحترم أنظمته،وتدافع عن سمعته بالحجّة والخلق،وتردّ الإساءة بالحكمة،وتواجه التضليل بالحقائق،وتكون لبنةً صالحةً في بنائه،لا معولاً في هدمه.

وما أكثر الذين يخلطون بين حرية التعبير والتطاول،وبين الاختلاف والإساءة،وبين النقد المسؤول ومحاولات التشويه. والحقيقة أنّ الأوطان الواثقة لا تخشى الكلمة الصادقة،ولا تضيق بالرأي البنّاء، لكنها لا تقبل أن تتحوّل الحرية إلى ذريعةٍ للنيل من السيادة،أو أن يُتّخذ الخلاف جسراً لبثّ الكراهية والفتنة.فثمة فرقٌ شاسعٌ بين من يريد لوطنه أن يكون أفضل،ومن يتمنّى له التعثّر وبين من يوجّه الملاحظة ليُصلح،ومن يطلق الاتهام ليُفسد.

السعودية خطٌّ أحمر،وألفُ خطٍّ من الحكمة قبل أن يكون خطّاً من الغضب.فالدفاع عن الوطن لا يحتاج إلى فوضى الكلمات،ولا إلى انفعالٍ يُضعف الحجة،ولا إلى إساءةٍ تُناقض القيم التي نعتزّ بها.إنّما يحتاج إلى عقلٍ راسخ ولسانٍ صادق، وموقفٍ ثابت،ووعيٍ يدرك أنّ الكرامة لا تُصان بالتشنّج بل بالقوة المنضبطة،والعدل، ووحدة الصف، والالتزام بما يحفظ للوطن أمنه ومكانته.

وللمملكة في مسيرتها شواهدُ لا تُنكر فقد واجهت التحديات،ومضت في طريق التنمية،وفتحت آفاقاً جديدةً للطموح والعمل،وأثبتت أنّ بناء المستقبل لا يكون بالتمنّي، بل بالإرادة والتخطيط والاستثمار في الإنسان.وفي كلّ إنجازٍ يتحقّق،وفي كلّ شابٍّ يرفع اسم بلاده بالعلم،وفي كلّ مواطنٍ يؤدي واجبه بإخلاص،تتجدّد حكاية وطنٍ لا يكتفي بأن يرث المجد، بل يعمل ليصنع مجده القادم.

وإذا كان للوطن سورٌ من حجارة فإنّ سوره الحقيقيّ وعيُ أبنائه،وإذا كانت له حدودٌ تحرسها العيون الساهرة، فإنّ له حدوداً معنويةً تحرسها الأخلاق، والوفاء، والمسؤولية. فالوطن لا تحميه الشعارات وحدها بل تحميه القلوب حين تصدق، والعقول حين تعي،والأيدي حين تعمل،والصفوف حين تتماسك أمام كلّ ما يهدّد أمنه أو يسيء إلى وحدته.

لسنا دعاة عداءٍ لأحد،ولا أنصار خصومةٍ مع الشعوب، فاحترام الأوطان لا يكتمل إلا باحترام أوطان الآخرين، والسيادة حقٌّ أصيلٌ لكلّ دولة،والكرامة مبدأٌ لا يتجزّأ.لكنّ التسامح لا يعني التنازل عن الحقوق،والحكمة لا تعني الضعف،والانفتاح لا يعني التفريط في الثوابت.فمن حقّ المملكة أن تصون قرارها،وتحمي مصالحها،وتدافع عن أمنها،وأن تقابل الاحترام بالاحترام،وتواجه التجاوز بما يكفله الحقّ والنظام.

يا أبناء المملكة إنّ الأوطان لا تُختبر في أوقات الرخاء وحدها، بل تظهر معادن الرجال والنساء حين تشتدّ المحن، وتكثر الأقاويل،وتتزاحم التحدّيات.فكونوا لوطنكم سنداً لا عبئاً،ودرعاً من الوعي لا سيفاً من التهوّر،واجعلوا من اختلاف الآراء مساحةً للنضج،ومن وحدة المصير أساساً للتكاتف، ومن الولاء قيمةً تُثبتها الأفعال قبل الأقوال.

وستظلّ راية التوحيد خفّاقةً بإذن الله،ما دام في هذه الأرض قلبٌ ينبض بحبّها،وعقلٌ يعمل لنهضتها،ويدٌ تبني مستقبلها. وستبقى السعودية وطناً عزيزاً،شامخاً بعقيدته،معتزّاً بهويته، ماضياً نحو مستقبله،لا يستمدّ قوّته من صخب الشعارات، بل من رسوخ الدولة،وتماسك المجتمع،وعزيمة الإنسان.

السعودية خطٌّ أحمر لأنّ الوطن ليس بنداً في مفاوضة، ولا ورقةً في مساومة،ولا اسماً يُستباح في سوق المزايدات.إنّه الأرض التي احتضنت أحلامنا،والهوية التي نحملها،والبيت الذي يجمعنا،والأمانة التي سنورّثها لأبنائنا.

فليعلم القريب والبعيد أنّ حبّ المملكة ليس نزوةً عابرة، وأنّ الوفاء لها ليس موقفاً موسميّاً،وأنّ الانتماء إليها ليس كلمةً تُقال ثم تُنسى بل هو عهدٌ راسخٌ في الضمير، ومسؤوليةٌ في السلوك،وولاءٌ يترجمه العمل الصادق.

دامت السعودية عزيزةً آمنة،ودامت رايتها عاليةً خفّاقة، وحفظ الله قيادتها وشعبها،وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار والازدهار.

فهذا وطنٌ نعشقه بوعي،ونحميه بحكمة،ونخدمه بإخلاص وطنٌ له في القلب منزلة،وفي التاريخ مكانة،وفي المستقبل موعدٌ مع مزيدٍ من المجد.

السعودية خطٌّ أحمر وخلف هذا الخطّ شعبٌ يعرف قدر وطنه،ويحفظ عهده،ويمضي بعزيمةٍ لا تنكسر نحو غدٍ يليق بمجد المملكة العربية السعودية.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى