الاخبار الفنية والثقافية

الدكتور آل ناهض يستعرض أثر المرجعيات الفكرية الحداثية

عنوان – أبها – إبراهيم الروسي:

ناقشت ثلوثية الأديب الراحل محمد الحميد، في لقائها الأربعين، أثر المرجعيات الفكرية والمناهج الحداثية في تشكيل صورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الكتابات الغربية وقراءات عدد من المؤرخين العرب المعاصرين، وذلك من خلال ورقة علمية قدمها الدكتور محمد بن علي آل ناهض، أستاذ التاريخ بجامعة الملك خالد، وسط حضور لافت من الأكاديميين والمثقفين والإعلاميين.

واستهل اللقاء الدكتور عبدالله الحميد، المشرف على الثلوثية، مرحبًا بالمحاضر والحضور، ومشيرًا إلى وصول الثلوثية إلى لقائها الأربعين، قبل أن يقدم نبذة عن سيرة ضيف الأمسية، ومسيرته العلمية واهتماماته البحثية.

أربعة محاور لرصد تحولات صورة النبي ﷺ
واستعرض الدكتور آل ناهض ورقته بعنوان «أثر المرجعيات الفكرية الحداثية في تشكيل صورة النبي صلى الله عليه وسلم»، متناولًا التحولات التي شهدتها صورة الرسول الكريم في الكتابات الأوروبية والعربية، وأثر الخلفيات الفكرية والمناهج البحثية في صياغة التصورات المتعلقة بشخصيته ورسالته.

وقدم المحاضر طرحه بأسلوب اتسم بالعمق والترابط، مستندًا إلى ذاكرته العلمية دون الاعتماد على الأوراق المكتوبة، الأمر الذي لقي تفاعلًا وإعجابًا من الحضور.
وتناول المحور الأول تطور صورة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابات الأوروبية، والتحولات التي شهدها القرن الثامن عشر مع عصر الأنوار، حين ظهرت قراءات أكثر إيجابية للإسلام في بعض الأوساط الفكرية الأوروبية، ونُظر إليه بوصفه دينًا يتسم بالعقلانية، مقارنة بالصورة السلبية التي سادت في جانب من الكتابات الأوروبية خلال العصور الوسطى.

أما المحور الثاني، فتناول المركزية الأوروبية وإعادة تشكيل صورة النبي ﷺ في القرن التاسع عشر، في ظل تطور المناهج التاريخية والنقدية، موضحًا كيف أسهمت بعض الاتجاهات الفكرية في إعادة قراءة السيرة النبوية من منظور يستبعد النبوة باعتبارها تفسيرًا ممكنًا للأحداث التاريخية، ويبحث بدلًا من ذلك عن تفسيرات بشرية لنشأة الإسلام.
وفي المحور الثالث، ناقش أثر المناهج الحديثة في تفسير الدين والغيبيات من منظور نفسي وأنثروبولوجي واجتماعي، وما أحدثته هذه المناهج من تحولات في دراسة الأديان، وانعكاساتها على تناول الوحي والنبوة وشخصية النبي صلى الله عليه وسلم.

واختص المحور الرابع بانعكاس المناهج الحداثية على قراءات المؤرخين العرب المعاصرين للسيرة النبوية، حيث استعرض المحاضر نماذج من الكتابات العربية الحديثة، وناقش طريقة تعاملها مع شخصية الرسول الكريم ومصادر السيرة، إلى جانب مناقشة الادعاء بعدم وجود مصادر معاصرة كافية للنبي ﷺ، وما يترتب على ذلك من تشكيك في إمكانية التعرف على شخصيته التاريخية.

كما تناول أثر الخلفيات الفكرية والمناهج المستخدمة في تشكيل الصورة التي تقدمها هذه الكتابات عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتفسير رسالته ودوره التاريخي.

مداخلات تثري النقاش حول السيرة النبوية
وشهد اللقاء مداخلات علمية وثقافية أثرت النقاش، ركز خلالها الدكتور أحمد الحميد على ما وصفه بعقدة الانبهار بالغرب، مستشهدًا بقوله: «من لم يؤمن بالغيب لم يدخل الإسلام».

وتطرق الحميد إلى تأثر عدد من المثقفين العرب، منذ عصر النهضة في مصر وغيرها، بالمدارس الفكرية الغربية، وما امتد من ذلك إلى أجيال لاحقة، مشيرًا إلى أهمية إدراك الخلفيات الدينية والفلسفية التي أثرت في بعض التصورات الغربية عن النبوة والأنبياء، وكذلك ضرورة استحضار المنهج العلمي الذي اتبعه المسلمون في حفظ علومهم ونقلها.

كما أشار إلى تجارب عدد من المفكرين العرب الذين تأثروا بالثقافة الغربية، ومنهم هيكل والعقاد وطه حسين، مؤكدًا أهمية التعامل النقدي مع الأفكار والمناهج المستوردة، والاحتكام إلى الأصول الشرعية في القضايا المرتبطة بالعقيدة والسيرة النبوية.

وتناولت مداخلات أخرى مفهوم الحداثة واختلاف تطبيقاته، وما أثير حول بعض المصطلحات والقراءات المعاصرة للسيرة النبوية، ومن بينها وصفها بـ«السيرة المستحيلة»، إلى جانب الإشارة إلى ما كتبه عدد من الباحثين الغربيين عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

واستشهد بعض المتداخلين بتصنيف مايكل هارت للنبي محمد ﷺ في مقدمة قائمته لأكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ، بوصفه مثالًا على حضور شخصية الرسول الكريم في بعض الدراسات الغربية المعاصرة.

كما شهد اللقاء طرح مداخلة تناولت الجوانب المالية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وما ورد بشأن ما كان لديه من مال، وإنفاقه في وجوه الخير، مع الإشارة إلى حصار المسلمين في شِعب أبي طالب وما مثله من معاناة اقتصادية واجتماعية في بدايات الدعوة الإسلامية.

وشارك في إثراء الأمسية عدد من الحضور، من بينهم الدكتور أحمد الحميد، والدكتور عبدالرحمن الجرعي، والدكتور صالح الحمادي، والأستاذ يزن عبد الهادي، الذين قدموا ملاحظات وتساؤلات أسهمت في توسيع دائرة النقاش حول موضوع الورقة.

وفي ختام اللقاء، أعرب الدكتور محمد بن علي آل ناهض عن شكره للمداخلين والحضور، مشيرًا إلى أن ما طُرح من آراء وملاحظات يمثل توصيات تستحق التأمل والأخذ بها في الدراسات والبحوث ذات الصلة.

واختُتمت الأمسية بتكريم أبناء الأديب الراحل محمد الحميد للدكتور آل ناهض، حيث قدموا له درع الثلوثية تقديرًا لمشاركته العلمية وإسهامه في إثراء الحراك الثقافي والفكري.

إبراهيم أحمد الروسي

مدير مكتب الصحيفة بمنطقة عسير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى